إلى حضن الوطن

مجو ويس
لكَثرةِ ما سمعْتُ بزوال كابوس البطش في بلدي، انتابتني لوهلةٍ رغبةٌ جارفة بأن أُقنِع نفسي بالعودة إلى حضن الوطن؛ فحجزْتُ تذكرةً، وعدت على متن الطائرة إلى حيث أنتمي.
في الحيّ الذي قطنْتُه يوماً ما، مشيْتُ على قدميَّ مقترباً من منزلي.
قبل الوصول إلى مدخل البناء بخطواتٍ، تذكّرْتُ أنني سأشعر بالجوع ليلاً، وبيتنا خالٍ من قاطنيه منذ سنين، فتابعت باتجاه دُكَّان جارنا.
بعد بضع خطواتٍ، تذكّرْتُ أن صاحب الدُّكَّان كان قد غادرَ الوطنَ مثلي، مهاجراً إلى الدانمارك!
ولأن الظلام بدأ يُخيِّم، وازداد عدد حاملي السلاح على حساب المارَّة المدنيين في ساحة الجامع الكبير؛ آثرْتُ أن أبقى آمناً على الشعور بالجوع، لذلك عدت أدراجي.
عبرتُ أحد المارِّين على الرصيف الذي لم يكن ضيّقاً، لكنه كان مشغولاً بثلَّةٍ من المُلتَحين، فأومأتُ للمارِّ بكلمة «شكراً» على إفساحهِ الدرب لي. لم أسمع ردَّهُ؛ فقد كان مُسرِعَ الخُطا مثلي.
على إثرِ سماع المُلتَحين لكلمة «شكراً»، رَغِبَ أحدهم أن يتباهى بسكِّينه أمام رفاقه مجرِّباً إياها:
  • هل أعجبتكم سكِّيني الجديدة؟
فأخذ يرميها عالياً ويعيد مسك رأسها بإبهامه وسبَّابته، ورحْتُ أندُبُ عفويتي وأنا على بعد خطواتٍ من البيت: «لِمَ لم أقل للمارّ ‘الله يعطيك العافية!’ أو على الأقل ‘يعطيك العافية عَمُّو!'”.
وباغتني الملثَّمُ برمية سكِّينٍ كادت تُغرَز في خاصرتي اليمنى، لولا أني تنحَّيتُ بجسدي جانباً، فأصاب رأسُها راحةَ يدي اليمنى. وتابعْتُ المشيَ كأني لم أرَ أو أسمعَ شيئاً أو أشعرَ بشيء.
ضاقَ الوقتُ أكثرَ ولم أستطع أن أبرِّر عفوية نطقي لكلمة «شكراً»، فجاءت رميةُ سكِّين ثانية من ملثَّمٍ آخرَ في صدري لتُخلِّصني من ندمي.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مروة بريم

تسألني انتظارها بلطف، أختارُ مقعدًا في الصفوف الخلفية، وتختفي في إحدى أُبهاء الكنيسة لبعض الوقت، أراقب بصمت تفاصيل المكان، بعضهم مستغرقٌ في صلاته، وآخرون في حركة وقورة ومهيبة بين المقاعد، يبدو تمثال السيدة العذراء في صدر المعبد كغيمة تعلّقت بها العيون وهي تتأهّب لتنفيذ ميثاق الهطول بعد طول جفاف. يتدفق صوت الأرغن كماء عذب…

تنكزار ماريني

إنَّ رواية “مالينا” لإنغيبورغ باخمان ليست مجرد كتابٍ يُقرأ، بل هي مواجهةٌ مع نمطٍ مغايرٍ من التفكير والشعور؛ إنها قصة امرأةٍ تتداعى وتتحطم أمام عالمٍ لا يجد متسعاً لمشاعرها العميقة.

ما هي “الأنا”؟
البطلة كاتبةٌ تتسم بحساسية مفرطة، تنشد حباً مطلقاً. تعيش في شقةٍ مع رجلين، أو بالأحرى، مع وجهين لذاتها:

إيفان: حبها الكبير، لكنه يمثل عالماً…

اطلعنا على ما نشره الاستاذ محمد كلش حول مؤتمر فيدرالية اللغة الكردية، ومن منطلق الاحترام المتبادل، وحرصًا على توضيح الحقائق للرأي العام، نورد بيان الآتي:

أولًا، إن انسحاب الأستاذ من المؤتمر كان قرارًا شخصيًا اتخذه قبل انتهاء أعماله، ولذلك لم يشهد بنفسه جميع الجلسات والقرارات والنتائج النهائية، واعتمد في كثير من استنتاجاته على ما نُقل إليه…

نظّم مكتب منتدى الكلمة الحرة، بالتعاون مع منظمة أحلام صغيرة، دورة تدريبية بعنوان “فن الإتيكيت والبروتوكول الدبلوماسي”، وذلك في مقر المنتدى بمدينة قامشلو، بإشراف المدرب الدولي عبد الرحيم مقصود.
وشهدت الدورة مشاركة 30 ناشطة وناشطًا، حيث تناولت محاور متعددة تتعلق بقواعد الإتيكيت وفنون التعامل الرسمي، وأسس البروتوكول الدبلوماسي، وآداب التواصل، وآليات بناء العلاقات المهنية، بما يسهم…