انزلاق خارج النهار

إدريس سالم

 

في الخامسة صباحاً، انزلقت كبقعة زيت خارج جدار النهار. سقطت في هوّة أفقية، مرّ الوقت فوقي كقطار شحن ثقيل، وأنا ممدّد تحت سكّته، أعبر كوابيس مبتورة الأطراف، واستيقاظات قصيرة لا تملك يداً لانتشالي. كان جسدي نائماً، لكن شيئاً في داخلي ظلّ واقفاً كحارس ليليّ أعزل، يراقب ويصغي إلى البيت وهو يتنفّس. شعرت بالجدران وقد صارت شفّافة، تشعر بما يجري في روحي، مثل غرفة بلا باب.

الزمن لم يتحرّك. ظلّ يحدّق بي، يلقي بأسئلته الرصاصية عن مستقبل مشوّه، تعيس، وغامض، ثم يتركني أبحث عن إجابات سائلة، بلا شكل ولا يقين. كان جسدي حاضراً كحُطام، وغائباً كمعنى، يتقلّب تحت وطأة التفكير، بينما الوعي يتسرّب إلى النوم، والنوم يتسرّب إلى الوعي، حتى تلاشت الحدود بينهما، ولم أعد أعرف في أيّهما أقيم.

استيقظت في الخامسة مساء، كأنني أُسحب من ثقب بلا قاع. الإرهاق كان يعرف أماكنه جيداً؛ ألم في الخاصرة يذكّرني بأنني كنت هنا، وصداع في الروح، يؤكّد أنني طوال هذا الغياب، لم أغادر يقظتي لحظة.

لم يكن مستيقظاً في البيت، سوى سعال أبي. سعال قاس، يتكسّر كخشب يابس في مطحنة مهترئة. صوت أدويته ترتطم بحنجرته كحصى في بئر جافّة. وجهاز الرذاذ، ذلك المايسترو الآلي، يعزف سيمفونيته المعدنية برتابة وبلا جمهور. فجأة طفا سؤال أمّي في الهواء: «هل أحضر لك جرّة الأوكسجين؟». لا أعرف لمَن كان موجّهاً حقّاً؛ إليه أم إلينا جميعاً. كنت مستيقظاً، لكنّ السعال كان ينهش خاصرتي، والهواء الشحيح يمرّ عبر رئتي كخرقة مستعملة، هواء لا يكفي لترميم حياة ولا يملك الجرأة ليمنحني الموت.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

في إطار أسبوع الصحافة الكوردية الذي أعلنه تحالف المجتمع المدني الكوردي، أحيا التحالف يوم الصحافة الكوردية من خلال فعالية ثقافية وإعلامية موسّعة في مدينة قامشلو، وذلك عبر ندوة حوارية برعاية ” جمعية يكبار”للثقافة والفن” العضو في التحالف، وبحضور لافت ونوعي ضمّ نخبة من الإعلاميين والصحفيين، إلى جانب ناشطين مدنيين، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، وشخصيات…

ا د قاسم المندلاوي

الفنان المناضل الراحل جعفر حسن فيلي موسيقار وعازف عود وملحن وموزع ومطرب. ولد في خانقين عام 1944، وهو احد رواد الاغنية السياسية. عاش في اليمن 20 عاما هربا من ظلم السياسات الدكتاتورية لنظام البعث، وفي مقدمتها ظلم الطاغية صدام حسين للشعب الكوردي، وخصوصا للكورد الفيليين. وفي اليمن عمل…

أحمد جويل

كزهرةٍ توقد العطر
على مناديل الصبايا
يجمعن القطا من بيادر القرية
في الليل أهمس للقمر
لإهدائي النور
على أصابعكِ
كي أعزف على صدركِ
وجع السنين….
صيد الحجل وتفاحات آدم
الممنوعة…
يمنحانني السكينة
وأنتِ تغنين بشفاهكِ
على أوزان القبلة
ويداي تداعبان الشمس
في مخيلة العشاق
نوارس البحر….
تحمل إليّ
منديلكِ المخضب بالحب
وأنا أخبئها
لعجاف قلبي
تعالي نقلب عاصفة
الريح
إلى وشوشات
على أضواء المدينة
كلهم كانوا نيامًا
سوى قلبينا
والبدر
يرسم لوحةً لوجهكِ
الطفولي……
وأنا أقطف الكرز من بساتينكِ
المحمية من احتمالات
السقوط
في أفواهٍ غائرة
لا…

عبد الجابر حبيب

نعمةُ العُري

في ساحةٍ مكتظّةٍ بالمعاطف، وقف رجلٌ يصفّقُ للبردِ ويعدّهُ فضلاً، قال فرحاً: العُريُّ يقرّبنا من الشمسِ والهواء… صفقَ لهُ بعضُ الحمقى. عند هبوبِ الريح، اختبأوا خلف أوّل جدارٍ… وترَكوا كلامهمُ يرتجفُ في العراء.

*******

درس

وكأن الوطن ضاق بي، فتعلمت أن أتركه لغيري، سلّمت بيتي لآخرين، ومضيت… كنت أقول: هكذا نصير أكثر إنسانية، وحين تعبتُ…