مقلوبة: قصة قصيرة

خوشناف سليمان

في زقاقٍ منسيٍّ على هامش أطراف عامودا. كانت خالة زريفة تسند ظهرها إلى الحائط الطيني. ترقّب الغروب كمن يترقّب رحمة السماء. ليس في البيت إلا كأس من الأرز. و بعض الخضرة. ووجوه ثلاثة صغار أرهقهم الجوع. و لم يجرؤ أحدهم على النحيب.
ذلك اليوم. دخل الضيف.
لم يكن متطفلًا. بل قادمًا ليسأل عن حالها و يسند ظهر الأرامل بثقل الرجال الغائبين. / العم حسو /
رجلٌ ذو نية طيبة. و عينٍ لا تتفحص تفاصيل الفقر بوقاحة.
لكن خالة زريفة ارتبكت.
تاهت خطواتها في المساحة الضيقة بين القدر الفارغ و كبريائها.
كيف تُقدّم شيئًا لا يليق إلا بالضرورات؟
كيف تُخفي الفقر دون أن تخون الصدق؟
راحت تفكر .. تخبز الحيلة في عقلها كما تخبز الخبز في رماد البؤس.
مدّت يدها إلى الأرز القليل. و سلقت الخضار و كأنها تنقذ كرامتها من الموت.
و عندما وضعت كل شيء في الطنجرة. قلبتها.
جعلت الخضرة في الأعلى لتواري غياب اللحم. و لتمنح الطبخة هيئة اكتملت.
و لو بالكذب الجميل.
قدّمت الطبق بثقة من يعرف أن الحقيقة لا تُروى كاملة.
الضيف أكل. تأمّل. فهم.
لكنه لم يقل شيئًا.
اكتفى بابتسامة فيها امتنان. و حزن. و معرفة.
شكرها بحرارة. ثم مدّ يده بالمساعدة.
لا كمن يمنّ. بل كمن يستعير نور الكرامة ليضيء زوايا العوز.
عاد إلى بيته ممتلئًا بما يفوق الشبع.
حكى لزوجته عن امرأة تُدعى خالة زريفة.
عن طبخة بلا لحم.
عن طنجرة قلبت مقاييسه.
في اليوم التالي. كانت زوجته تقف على باب خالة زريفة. لا فارغة اليدين. ولا ممتلئة القلب بالظنون.
حملت معها ما استطاعت من الخير. وقلبًا ممتلئًا بالغيرة مستعدًا للصفح.
وحين شرحت سبب زيارتها. ضحكت خالة زريفة ضحكة هادئة وقالت..
سرّ الطبخة. يا أختي؟ ليس في البهار .. بل في دفن الوجع تحت الخضرة.
دخلتا المطبخ
وهناك بدأت الطنجرة تدور من جديد.
كانتا تطبخان أكثر من طعام.
كانتا تصنعان حكمةً خفية.
قالت: خالة زريفة يا أختي
أن الكرامة لا تُؤكل. لكنّها تُقدّم مع كل وجبةٍ أُعدّت بحبّ و صمت.
و حين عادت الزوجة إلى بيتها. قالت لزوجها ..
تعلّمت سرّ الطبخة .. لكني نسيت اسمها.
ضحك الزوج قال و هو يغمز لها..
. لا عليكِ. سنسميها من الآن فصاعدًا .. المقلوبة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطيـن

يضاف هذا الكتاب إلى جهود الباحث السعودي حسن عبد العلي آل حمادة التي بدأها في كتابه “أمّة اقرأ لا تقرأ” ونشره عام 1417هـ/ 1997م، ثم صدر له كتاب بعنوان “الكتاب في فكر الإمام الشيرازي” الذي طبع مرّتين الأولى عام 1421هـ/ 2001، والأخرى عام 1422هـ/ 2002م، كما صدر للمؤلّف كتاب “يسألونك عن الكتاب”…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي…

صبحي دقوري

ليس كتاب «هذا هو الإنسان» لفريدريش نيتشه كتاباً يخرج من رفّ الفلسفة كما تخرج الكتب المطمئنة إلى أسماء فصولها، ولا سيرةً ذاتية تمشي على مهلٍ في ممرّ الذكريات، ولا اعترافاً يطرق باب المغفرة. إنّه نصٌّ ينهض كحيوانٍ جريحٍ من غابة الفكر، ويحدّق في قارئه بعينين لا تطلبان الشفقة ولا التصديق، بل تطلبان الاستعداد للصدمة….

مقدمة الكتاب

ها هو “النوروز” يخرج أخيراً من بين رماد القرون، لا بوصفه عيداً عابراً في تقويم الشعوب، بل بوصفه ذاكرةً حيةً تمشي على أقدام التاريخ، وتحمل في عينيها نار الحرية الأولى.

وها هو الكتاب الذي كتب بالحبر والوجع، بالصوت الذي عبر الجبال طويلاً، وبالأغاني التي ظلت تنجو من الخراب كلما حاولت الإمبراطوريات أن تطفئ شمس الشرق.

لقد…