إعلام بلا معرفة: أزمة الكلمة حين تفقد معناها

صبحي دقوري

لم يكن الإعلام في يوم من الأيام مجرد مهنة للظهور، ولا حرفة تقوم على سرعة الكلام أو ارتفاع الصوت. لقد كان، في جوهره، ممارسةً عقلية تقوم على المعرفة والفهم والدقة في استعمال المفاهيم. غير أنّ ما نشهده اليوم في كثير من المنابر الإعلامية يبعث على القلق العميق؛ إذ أصبح المجال مفتوحاً أمام أصوات تتحدث في قضايا كبرى وهي لا تمتلك الحد الأدنى من أدوات الفهم.

نرى من يتحدث في القانون الدولي وهو لم يقرأ نصوصه الأساسية، ومن يعلّق على الاقتصاد العالمي دون معرفة بمفاهيمه أو آلياته، ومن يملأ الشاشات بالتحليلات السياسية وهو يخلط بين المصطلحات خلطاً يثير الدهشة أكثر مما يثير التفكير. والأسوأ من ذلك أن كثيراً من هؤلاء يرددون الكلمات الرنانة دون إدراك لمعانيها، وكأن المصطلح مجرد زينة لغوية لا أداة للفهم والتحليل.

إن الإعلام، حين يفقد علاقته بالمعرفة، يتحول إلى ضجيج. وحين يغيب عنه المنهج، يصبح مجرد تكرار لما يقال في كل مكان. فالتحليل ليس استعراضاً لفظياً، ولا لعبة بلاغية، بل هو عمل عقلي يتطلب قراءة وتدقيقاً وفهماً للسياقات التاريخية والقانونية والاقتصادية.

لقد علّمتنا التجربة أن الكلمة حين تصدر عن جهل لا تكون مجرد خطأ عابر، بل تتحول إلى عامل من عوامل التضليل العام. فالمشاهد أو القارئ يثق بالإعلامي بوصفه وسيطاً بين المعرفة والجمهور. فإذا كان هذا الوسيط نفسه يفتقر إلى المعرفة، فإن النتيجة الحتمية هي تشويه الوعي العام وإرباك الفهم الجماعي للقضايا الكبرى

وما يزيد الأمر خطورة أن بعض المنابر باتت تخلط بين الشهرة والمعرفة، وبين الحضور الإعلامي والكفاءة الفكرية. غير أن الظهور المتكرر على الشاشة لا يصنع مفكراً، كما أن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة وضوح الفكرة.

إن الأمم التي تحترم عقول مواطنيها تحرص على أن يكون الإعلام فيها مجالاً للمعرفة لا للارتجال، وللتفسير العميق لا للشعارات الجاهزة. فالإعلامي الحقيقي هو الذي يقرأ قبل أن يتكلم، ويتحقق قبل أن يحلل، ويدرك أن الكلمة التي ينطق بها قد تصنع وعياً أو تزرع وهماً.

لهذا فإن إصلاح الخطاب الإعلامي لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بتغيير المعايير. معيار المعرفة قبل الصوت، والفهم قبل الحضور، والدقة قبل الإثارة

فالإعلام في نهاية الأمر ليس مجرد منصة للكلام، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية. والكلمة، حين تُنطق في الشأن العام، ليست صوتاً عابراً في الهواء، بل أثرٌ يبقى في العقول زمناً طويلاً

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويقدّم عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية بالتأمل،…

خليل عبدالقادر Kalil Kader

في تلك السنوات وفي تلك المدينة” الحسكة” التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات” ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي…

صبحي دقّوري

لم يكن رحيل إدغار موران خبرًا عابرًا في صحيفة، ولا تفصيلًا ثقافيًا يضاف إلى سجل الغياب الطويل. كان رحيله انطفاء مصباح فكري ظلّ، طوال قرن كامل، يضيء زوايا العالم المعتمة، لا بضوء اليقين المتعالي، بل بضوء السؤال، والشك، والربط، والإنصات العميق إلى تعقيد الإنسان والتاريخ والحياة.

رحل موران، لكن فكره لا يرحل. فبعض المفكرين يموتون…

إعداد وصياغة: ماهين شيخاني

حين يُستعاد تاريخ الشعوب، لا تُقاس عظمتها فقط بما شيدته من مدن أو خاضته من حروب، بل بما أبدعته من ثقافة وآداب وفنون حفظت ذاكرتها الجماعية عبر الزمن. والشعب الكوردي، رغم ما تعرض له من انقسامات سياسية وتحولات تاريخية قاسية، استطاع أن يبني إرثاً ثقافياً غنياً انتقل من الرواية الشفوية والأغنية الشعبية…