رولان بارت: حين أصبحت اللغةُ هي البطل

صبحي دقوري

 

ليس رولان بارت ناقدًا أدبيًا بالمعنى المدرسي المألوف، ولا هو فيلسوفًا بالمعنى النسقيّ الصارم، بل هو كائنٌ فكريٌّ وُلِد عند ملتقى اللغة والرغبة والرمز والتأويل. وُلد في شيربورغ سنة 1915، ورحل في باريس سنة 1980، وترك وراءه أثرًا لم يقتصر على النقد الأدبي، بل امتد إلى السيميولوجيا، وتحليل الثقافة، ونظرية الصورة، وطرائق القراءة الحديثة عمومًا. وقد شغل في أواخر حياته كرسي السيميولوجيا الأدبية في كوليج دو فرانس بين 1977 و1980، وهو ما يدل على المكانة التي انتهى إليها في الفكر الفرنسي المعاصر. 

لقد جاء بارت في زمنٍ كان النقد فيه ما يزال، في جانب كبير منه، يدور حول المؤلف: حياته، نواياه، طبقته، نفسيته، بيئته، ومقاصده. فجاء هذا الرجل ليقلب الطاولة في هدوءٍ لا يخلو من الجسارة، وقال ضمنًا: لسنا نقرأ الكاتب، بل نقرأ اللغة وهي تعمل؛ لسنا نلاحق النيّات، بل نلاحق العلامات؛ ولسنا نفتش عن “المعنى” بوصفه كنزًا مدفونًا في قلب النص، بل ننظر كيف يتولد المعنى من العلاقات، ومن البنية، ومن اللعب الحر بين الدوال. ومن هنا كانت أهميته لا في أنه قدّم أجوبة نهائية، بل في أنه غيّر السؤال نفسه.

في كتابه «درجة الصفر في الكتابة» افتتح بارت مشروعًا ينظر إلى الكتابة لا بوصفها وعاءً محايدًا للفكرة، بل بوصفها اختيارًا تاريخيًا وأخلاقيًا وجماليًا في آنٍ واحد. ثم جاء كتابه «أسطوريات» سنة 1957 ليكشف عبقريته النقدية في أصفى تجلياتها؛ إذ لم يذهب إلى النصوص الكبرى وحدها، بل التفت إلى الحياة اليومية نفسها: الإعلانات، الصحافة، الرياضة، الموضة، الصور، والعادات الاستهلاكية، ورأى فيها جميعًا نظامًا من العلامات، وخطابًا يتخفّى في هيئة البديهي والطبيعي. وهنا كانت عبقريته: لقد علّمنا أن العادي ليس عاديًا، وأن المألوف قد يكون أشدّ الأشياء أيديولوجية. 

كان بارت يدرك أن السلطة لا تسكن القوانين وحدها، بل تسكن اللغة أيضًا؛ فالكلمات لا تصف العالم فقط، بل ترتّبه، وتخفي فيه مصالح، وتمنح بعض الصور صفة “الطبيعي” و”البدهي”، مع أنها ليست إلا نتاجًا ثقافيًا وتاريخيًا. ولهذا أصبح مشروعه في جوهره مشروعَ فضحٍ رقيق: فضحِ ما تتظاهر به الثقافة من براءة، وفضحِ ما تمارسه العلامات من إقناعٍ صامت، وفضحِ ما يتسلل إلى الوعي من غير أن يطرق الباب.

ثم جاءت مقالته الشهيرة «موت المؤلف» لتُحدث رجّةً عميقة في الوعي النقدي الحديث. لم يكن بارت يقول، على نحو ساذج، إن الكاتب لا قيمة له، بل كان يرفض أن يُختزل النص في قصد صاحبه، أو أن يُغلق المعنى باسم “النية الأصلية”. وقد كتب بوضوح أن منحَ النصِّ مؤلفًا هو فرضُ حدٍّ نهائي عليه وإغلاقٌ للكتابة، أي وضع “إشارة توقف” عند المعنى. ومن هنا صار النص، عنده، فضاءً تتقاطع فيه كتابات متعددة، ويولد معناه الحقيقي في القراءة، لا في السيرة وحدها. 

ومن أخصب ما أورثنا إياه رولان بارت أيضًا تمييزه بين النص القابل للقراءة والنص القابل للكتابة؛ أي بين النص الذي يستهلكه القارئ استهلاكًا سهلًا، والنص الذي يدعو قارئه إلى أن يشارك في إنتاج معناه. فالنص العظيم، عند بارت، ليس ذلك الذي يقدّم نفسه كاملًا ومغلقًا، بل الذي يفتح أبوابه، ويربك قارئه قليلًا، ويجعله شريكًا لا متلقيًا فقط. بهذا المعنى، لم يعد القارئ كائنًا سلبيًا جالسًا عند نهاية الصفحة، بل صار شريكًا في ولادة الدلالة. 

غير أن بارت لم يبقَ أسير المصطلحات والصرامة البنيوية. ففي أعماله اللاحقة، ولا سيما «لذة النص» و**«شذرات من خطاب في العشق»**، أخذت كتابته تنفتح على الحساسية، وعلى اللذة، وعلى الجرح الشخصي، وعلى ذلك المزج النادر بين الفكر والاعتراف. هنا لم يعد بارت مجرد محلل للأنظمة الرمزية، بل صار كاتبًا يلمس منطقةً بالغة الرهافة: المنطقة التي يصبح فيها الفكر نبرةً، والنقد تجربةً، والكتابة شكلًا من أشكال العيش. وتشير المصادر المرجعية إلى أن أعماله المتأخرة ثبّتت سمعته ككاتب أسلوبي كبير، لا كمُنظّر وحسب. 

أما كتابه «الغرفة المضيئة» فقد بدا أشبه بخاتمةٍ شفافة لمساره. ففي هذا النص البديع لم يكتب عن الصورة الفوتوغرافية بوصفها موضوعًا تقنيًا أو نظريًا مجردًا، بل بوصفها تجربة تمس الذاكرة والزمن والموت. كان يبحث في الصورة عن ذلك الشيء الذي لا يراه الجميع على السواء: التفصيل الذي يجرح النفس جرحًا خافتًا ويوقظ شيئًا شخصيًا عميقًا. وهنا يبلغ بارت أقصى درجات نضجه: حين تصبح النظرية مرهفة كأنها حزن، ويصبح التحليل وفيًّا لما في التجربة الإنسانية من هشاشة. 

إن قيمة رولان بارت الكبرى أنه لم يعلّمنا ماذا نقرأ فقط، بل كيف نرتاب فيما نقرأ، وكيف نصغي إلى ما تخفيه اللغة أكثر مما تصرّح به. لقد حرّر النص من وصاية التفسير الواحد، وحرّر القارئ من الطاعة العمياء، وحرّر النقد من وظيفة الشرح المدرسي البارد. ومن هنا بقي حاضرًا إلى اليوم، لا كاسم من أسماء تاريخ النقد فقط، بل كمنعطفٍ حاسم في تاريخ الوعي الحديث بالنص والعلامة والثقافة.

 

  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

سامية يحيى إبراهيم، ابنة عامودا، خريجة معهد إعداد المعلمين. عملت معلمة لمدة خمسة عشر عاما، ثم تقاعدت مبكرا. تكتب الشعر منذ ما يقارب خمسة وعشرين عاما، ولها ديوان مطبوع بعنوان «صلوات الأشجار»، صادر عن اتحاد مثقفي روجآفا كردستان، إضافة إلى نصوص كثيرة غير مطبوعة،…

السويد – خاص: صدر حديثاً الكتاب الأربعون للشاعر والناقد لقمان محمود بعنوان (الحياة الكامنة خلف الكلمات)، عن دار “49 بوكس” في السويد. يقع الكتاب في (234) صفحة من القطع المتوسط، وهو استكمالٌ لمشروع لقمان محمود في مجال السرد، حيث سبقت له إصدرات عدة في هذا السياق، منها: “ترويض المصادفة” عام 2011، “زعزعة الهامش” عام 2019، “كسر…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، بحزن وأسى كبيرين، نبأ رحيل الفنانة كولستان طاهر- سوباري، التي توفيت ليلة أمس، تاركةً وراءها حضوراً فنياً وذكريات راسخة في نفوس وقلوب أسرتها وعائلتها، وذويها، وأصدقائها ومحبي فنها.
لقد عُرفت الراحلة بصوتها المميز، وبموهبتها الفنية التي لم تقتصر على الغناء، إذ عرفتها خشبات المسرح فنانةً…

جوان سلو

كثيراً ما يوصف الأدب الإيراني بأنه أدب مختلف عن الآداب الأخرى لحفاظه على أصالته وخصوصيته وواقعيته وتمسّكه بتراثه الثريّ الخاص، إذ يجد القارئ العربي في هذه الأعمال الأدبية فضاءً ثرياً من اللغة والأفكار والأسلوب والثقافة، وقد فرض الأدب الإيراني المترجم عن اللغة الفارسية في الآونة الأخيرة وجوده المميّز بين الإصدارات العربية المترجمة، واحتلَّ من…