صبحي دقوري
ليس كتاب «هذا هو الإنسان» لفريدريش نيتشه كتاباً يخرج من رفّ الفلسفة كما تخرج الكتب المطمئنة إلى أسماء فصولها، ولا سيرةً ذاتية تمشي على مهلٍ في ممرّ الذكريات، ولا اعترافاً يطرق باب المغفرة. إنّه نصٌّ ينهض كحيوانٍ جريحٍ من غابة الفكر، ويحدّق في قارئه بعينين لا تطلبان الشفقة ولا التصديق، بل تطلبان الاستعداد للصدمة. إنه كتاب كتبه رجلٌ لم يعد يكتفي بأن يكون مؤلفاً بين المؤلفين، بل أراد أن يكون حادثةً في تاريخ الروح الأوروبية، شرخاً في زجاج القيم، وصاعقةً في سماءٍ اعتادت أن تسمّي خمولها فضيلة.
منذ عتبته الأولى، يعلن الكتاب تمرّده على قانون السيرة. فالسيرة، كما ألفها الناس، تنحني غالباً أمام قارئها، تستعرض الطفولة، وتستدعي الأخطاء، وتلبس شيئاً من تواضعٍ محسوب، كأن الكاتب لا يحق له أن يدخل إلى تاريخه إلا مطأطئ الرأس. غير أن نيتشه لا يدخل هكذا. إنه يقتحم. لا يروي حياته كما يرويها إنسانٌ يريد أن يُفهَم، بل كما يعلنها قدرٌ يريد أن يُساء فهمه أولاً، ثم يُخشى، ثم يُقرأ بعد فوات الأوان.
هنا لا يقول نيتشه: هذه حياتي. بل يقول، بلسان البرق: هذه هي العاصفة التي مرّت فوق رؤوسكم ولم تعرفوا اسمها. ولهذا جاءت عناوينه كأنها ضربات فأس على باب الأخلاق المألوفة: لمَ أنا على هذا القدر من الحكمة؟ لمَ أنا على هذا القدر من الذكاء؟ لمَ أكتب كتباً جيدة؟ ليست هذه العناوين زينةً استفزازية، ولا غروراً بسيطاً كما قد يتوهم القارئ العجول؛ إنها جزء من مكيدة الكتاب. نيتشه يريد أن ينتزع القارئ من أدبه الأخلاقي القديم، من حيائه المصطنع، من ثقته بالتواضع، من خوفه من القوة، ومن ميله العجيب إلى تفضيل الوداعة المريضة على الصحة الجارحة.
ومع ذلك، فإن نيتشه، وهو ينجو من ضعف السيرة التقليدية، يسقط أحياناً في فتنة الأسطورة. فهو لا يصف ذاته بقدر ما ينحتها. لا يشرح نيتشه الإنسان، بل يقيم لنفسه تمثالاً في ساحة الفكر، تمثالاً لا يقبل الورود ولا الصلوات، بل يقبل العواصف. إنه يكتب عن نفسه كما لو أن «نيتشه» لم يعد اسماً لشخص، بل اسماً لزلزالٍ تأخر الناس في سماع هديره.
لعلّ أقوى ما في هذا الكتاب أن نيتشه لا يترك الفكرة معلّقة في فضاءٍ بارد. فالفكر عنده ليس طائراً ميتافيزيقياً يحلّق فوق الجسد، بل هو إفرازٌ عميق من إفرازات الصحة والمرض، من المناخ والغذاء، من الوحدة والألم، من العصب والدم. الفلسفة لا تولد في غرفة عقلٍ مجرّد، بل في جسدٍ يمرض، ويتألم، ويتحمل، وينهض، ويحوّل علّته إلى بصيرة. ولهذا تبدو الصفحات الأولى من الكتاب كأنها مختبرٌ غريب: مرض، انحطاط، ضعف، مقاومة، ثم قدرة نادرة على تحويل السقم إلى معرفة، والجراح إلى عينٍ ترى ما لا تراه العافية الغافلة.
في هذا الموضع بالذات تتجلى نيتشوية نيتشه. فالفيلسوف لا يُسأل فقط: ماذا تقول؟ بل: من أي جسدٍ تقول ما تقول؟ من أي حرارة؟ من أي وجع؟ من أي مزاجٍ خفي؟ من أي قدرة على احتمال الحياة دون الاحتماء بالأوهام؟ إن الفكرة، عنده، ليست بريئة. وراء كل فكرة جسدٌ ما، وراء كل أخلاق غريزةٌ ما، وراء كل حقيقة إرادةٌ ما. لذلك تبدو فلسفته خصماً عنيفاً لكل تفكيرٍ يتظاهر بالحياد، ولكل عقلٍ يريد أن يبدو بلا رائحة، بلا دم، بلا ارتجاف.
وهنا تكمن عظمة الكتاب ومجازفته معاً. فهو يعيد الفلسفة إلى الأرض، إلى التراب، إلى النفس، إلى المعدة، إلى الهواء، إلى الضوء، إلى العزلة التي تجعل الإنسان يسمع عظامه وهي تفكر. لكنه، في اندفاعه هذا، يكاد يجعل الجسد مفتاحاً وحيداً لكل سرّ، حتى لتبدو الفلسفات أحياناً كأنها أعراض طبية، وكأن تاريخ الفكر سجلٌّ طويل لأمراضٍ تنكّرت في هيئة مبادئ. هذه بصيرة نافذة، نعم، لكنها حين تصير قانوناً مطلقاً تقترب من القسوة، ومن الاختزال، ومن ذلك الميل النيتشوي إلى تحويل السكين إلى منهج.
ينبغي أن يُقرأ «هذا هو الإنسان» بوصفه خاتمةً مشتعلة لحرب نيتشه على الأخلاق الأوروبية، ولا سيما الأخلاق المسيحية كما فهمها ونازلها: أخلاق الشفقة، والندم، والخضوع، وتمجيد الضعف، وتقديس الألم. نيتشه لا يهاجم الأخلاق لأنه يريد الفوضى، ولا لأنه يبشر بانفلاتٍ أعمى، بل لأنه يرى أن الأخلاق السائدة لم تعد ترفع الإنسان، بل تدجّنه؛ لم تعد تفتح فيه طاقة الخلق، بل تحوّل قوته إلى ذنب، وفرحه إلى شبهة، وغريزته إلى خطيئة.
في هذا الكتاب يكتب نيتشه كما لو أنه يريد أن يقول: الإنسان العظيم لا يولد من الطاعة، بل من قدرته على أن يشرّع لنفسه. لا يولد من الانحناء أمام القيم الجاهزة، بل من خلق قيمٍ جديدة. ومن هنا يصبح النص دفاعاً عن الإنسان الأعلى، لا بوصفه طاغيةً سياسياً، ولا وحشاً يلتهم الضعفاء، كما شاءت القراءات الكسولة أو المغرضة، بل بوصفه ذلك الكائن الذي لا يعيش على فتات الموائد الأخلاقية القديمة، ولا يستعير ضميره من القطيع.
غير أن مأزق نيتشه يطلّ من هذا الباب نفسه. فهو حين يفضح أخلاق الضعفاء، لا يمنح القارئ دائماً الحاجز الكافي بين تحرير القوة واحتقار الضعف. لغته نارية إلى الحد الذي يسمح بأن يدفئ بها القارئ روحه، أو يحرق بها غيره. صحيح أن نيتشه ليس واعظ بطشٍ ساذجاً، وليس منظّراً بسيطاً للقسوة، لكن جملته الحادة، حين تنفصل عن سياقها، تستطيع أن تتحول إلى سلاحٍ في أيدي من لا يملكون سوى العنف. إن عظمته أنه يحرر الإنسان من عبودية القيم الموروثة، وخطورته أنه لا يرسم دائماً خطاً واضحاً بين الحرية والقسوة، بين النبل والتعالي، بين القوة والافتراس.
أما أسلوبه في هذا الكتاب فليس أسلوب أستاذٍ يضع نظارته على الطاولة ويبدأ الدرس. إنه أسلوب نبيٍّ ساخر، شاعرٍ غاضب، طبيبٍ يقف عند سرير حضارةٍ تحتضر، ولا يمدّ لها الدواء بل يكتب تقرير الوفاة. عبارته قصيرة كحدّ النصل، لامعة كشرارةٍ في معدن، جارحة كحقيقةٍ لا تعرف الاعتذار. إنه لا يشرح الفكرة فقط، بل يقذفها. لا يقنعك بالهدوء، بل يستفزك حتى تفقد حيادك الكاذب وتضطر إلى اتخاذ موقف.
ومن هنا تأتي قوة الكتاب. إنه لا يُقرأ كبحث، بل كصدام. لا يدخل إلى العقل من باب البرهان وحده، بل من باب الصدمة، والنبرة، والطعنة، والضحك الأسود. كل فقرة تكاد تكون حجراً يُلقى في بركة القيم الراكدة. كل عنوان يبدو كمن يضحك من القارئ قبل أن يسمح له بالدخول. غير أن هذه البلاغة الهائلة تحمل ضعفها في داخلها: فالإيقاع أحياناً يطغى على البرهان، واللمعان يخطف مكان الشرح، والهدم يتقدم على البناء. نيتشه يصيب أكثر مما يفسّر، ويطلق حكمه كقذيفة لا كنتيجة منطقية هادئة.
لكن هذا الضعف نفسه جزء من قوته. فنيتشه لم يرد أن يكون فيلسوفاً مدرسياً، ولا صانع نسقٍ ينام داخله القراء بأمان. كان يريد أن يغيّر طريقة الإحساس بالحقيقة، لا أن يضيف تعريفاً جديداً إليها. لذلك جاءت كتابته قريبة من الأدب الفلسفي العالي، حيث تتجاور الفكرة والصورة، والبرهان واللعنة، والتشخيص والتهكم.
ولا يمكن أن نقرأ «هذا هو الإنسان» بعيداً عن اللحظة التي كتب فيها، تلك اللحظة القريبة من انهياره العقلي. هنا يشتد التوتر: هل نحن أمام ذروة الوعي، أم أمام حافة الهاوية؟ هل يتكلم نيتشه بوصفه فيلسوفاً بلغ أقصى صفائه، أم بوصفه رجلاً بدأت المسافة تضيق بين ذاته والعالم حتى كادت تنعدم؟
الجواب النقدي الأعدل أن الأمرين حاضران معاً. في الكتاب صفاءٌ كاشف، وفيه تضخم ذاتي لا يخطئه النظر. فيه قدرة تشخيص مدهشة، وفيه نبرة رسولية تكاد تنقل الفلسفة من مقام النقد إلى مقام إعلان المصير. نيتشه لا يفسّر كتبه فقط، بل يطالب التاريخ بأن يلتفت إليه كما يلتفت الناس إلى نيزكٍ سقط في ليلهم. إنه لا يطلب اعتراف القارئ، بل يوبخه لأنه تأخر في الاعتراف. وهذه مفارقته العميقة: كتاب يريد أن يحطم الأصنام، لكنه يكاد يصنع من صاحبه صنماً جديداً؛ كتاب ضد التقديس، لكنه يطلب لنفسه إصغاءً يشبه الطقس.
أما الترجمة العربية لعلي مصباح فتواجه نصاً من أعسر نصوص نيتشه، لأن الصعوبة هنا ليست في المفردة وحدها، بل في النبرة، في القطع المفاجئ، في السخرية المضمرة، في الإحالة الخاطفة، في الجملة التي تبدو بسيطة وهي تحمل خلفها حرباً كاملة. ترجمة نيتشه لا تحتاج إلى معرفة الألمانية فقط، بل إلى أذنٍ تسمع توتر الفكرة، وإلى حسٍّ أدبي يدرك أن الجملة النيتشوية لا تنقل معنى فحسب، بل تنقل نبضاً، وسخرية، وجرحاً، ونوعاً من الرقص على حافة الهاوية.
ويبدو النص العربي، في عمومه، حريصاً على حفظ ذلك التوتر: كبرياء نيتشه، تحديه، سخريته، اندفاعه، وصوته الذي يشبه حصاناً يرفض اللجام. غير أن القارئ العربي يحتاج، في مواضع كثيرة، إلى هوامش تضيء الإحالات، لأن نيتشه لا يكتب من فراغ؛ إنه يحاور كتبه السابقة، ويهاجم خصومه، ويستدعي المسيحية، والموسيقى، والثقافة الألمانية، والتاريخ الأوروبي. ومن دون هذه الخلفية، قد تبدو بعض جمله صراخاً فلسفياً، بينما هي في حقيقتها شظايا من معركة طويلة.
إن «هذا هو الإنسان» ليس كتاباً نقرأه للبحث عن نيتشه الإنسان فقط، بل عن نيتشه وهو يحاول أن يحوّل نفسه إلى معنى. إنه اعترافٌ بلا توبة، وسيرةٌ بلا انكسار، وفلسفةٌ مكتوبة بحرارة الجسد لا ببرودة النسق. قوته الكبرى أنه يكشف جوهر المشروع النيتشوي: إعادة تقييم القيم، فضح الأخلاق التي تخنق الحياة، تحرير الفكر من الطاعة، وإعادة الاعتبار للغريزة، والصحة، والقوة، والخلق. أما ضعفه الأكبر فهو أن نيتشه، وهو يهشم الأصنام، يقترب أحياناً من نصب صورته في المعبد الذي هدمه.
لهذا يبقى الكتاب عظيماً وخطيراً في آنٍ واحد. عظيمٌ لأنه يزلزل القارئ، ويجبره على مراجعة معنى الأخلاق، والحقيقة، والمرض، والصحة، والإنسان. وخطيرٌ لأنه يعطي القارئ ناراً لا يعرف دائماً كيف يحملها دون أن تحرق يديه. إنه ليس مدخلاً سهلاً إلى نيتشه، ولا كتاباً للمبتدئين في صحبته، بل هو كتاب لمن يريد أن يرى الفيلسوف في لحظة البرق الأخيرة: حيث يصبح الفكر اعترافاً، والاعتراف هجوماً، والهجوم وصيةً لرجلٍ أراد أن يقول للعالم:
لم آتِ لأشرح الحياة، بل لأقلب طريقة النظر إليها