حين تكتب الآلة ويغيب المؤلف

صبحي دقوري

أصبحت ظاهرة اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي عامة، تمتد إلى الكتابة والترجمة والبحث والنشر. وها هي المكتبات ودور النشر يوشك أن يجتاحها سيل من الكتب المصنوعة آليًّا، غير أن كثيرًا منها لا ينتفع بهذه التقنية بوصفها أداةً مساعدة، بل يأخذ ما تنتجه حرفيًّا، من دون مراجعة أو تدقيق أو مساءلة أو إضافة إنسانية. وهنا تكمن الكارثة.

تجد كتابًا أُعِدَّ في أيام قليلة، فصوله متشابهة، وأفكاره مكررة، ولغته ملساء لكنها باردة، خالية من التجربة والصوت الشخصي والقلق الذي يصنع الكتابة الحقيقية. وقد يحمل الغلاف اسم مؤلف لم يؤلّف، وإنما اكتفى بطرح بضعة أسئلة على الآلة، ثم جمع أجوبتها ووضع اسمه عليها.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح ويختصر ويرتب ويدقق ويعين الباحث على الوصول إلى المعلومات، لكنه لا يعفي الكاتب من التفكير والتحقق وإعادة الصياغة. فالكتاب لا يصبح كتابًا بكثرة صفحاته، بل بما يحمله من رؤية وتجربة وموقف وصوت متفرد.

المشكلة، إذن، لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في الاستسلام له. حين يستخدمه الكاتب الواعي تتسع قدرته، وحين يتركه يكتب نيابة عنه يختفي المؤلف، ويبقى اسمه وحده على الغلاف. والأسوأ أن تضخّم أعداد الكتب المصنوعة بهذه الطريقة قد يجعل القارئ عاجزًا عن التمييز بين المعرفة الحقيقية والكلام المصنّع، وبين المؤلف الذي عاش فكرته والآخر الذي استعارها جاهزة من آلة.

إننا أمام وفرة غير مسبوقة في الكتب، يقابلها خطر غير مسبوق في ندرة الكتاب الحقيقي.

وتزداد خطورة الظاهرة حين تتحول السرعة إلى معيار للجودة. فالكاتب الذي كان يحتاج إلى سنوات من القراءة والتأمل والمراجعة صار قادرًا، خلال ساعات، على إنتاج مخطوط من مئات الصفحات. غير أن القدرة على توليد الصفحات لا تعني القدرة على تأليف كتاب. الصفحات قد تتكاثر، بينما تظل الفكرة فقيرة، والرؤية غائبة، واللغة تدور حول نفسها.

قد يطلب أحدهم من الآلة أن تكتب له كتابًا عن الفلسفة أو التاريخ أو علم النفس، ثم يتلقى النص كما هو، من دون أن يتحقق من مصادره أو يراجع أسماء الأعلام والتواريخ والمقولات المنسوبة إلى أصحابها. وهكذا تدخل إلى الكتب معلومات مختلقة، ومراجع لا وجود لها، واقتباسات لم يقلها أصحابها، ثم تُطبع وتُوزع كأنها حقائق موثقة. وتصبح الأخطاء، بفضل الطباعة، أكثر قدرة على التنكر في هيئة المعرفة.

المؤلف الحقيقي لا يكتفي بجمع المعلومات، بل يختار بينها، ويختبرها، ويشك فيها، ويضعها في سياق، ويقيم علاقة شخصية وفكرية معها. إنه يتحمل مسؤولية كل عبارة يكتبها. أما من ينسخ النص الآلي ثم يضع اسمه عليه، فإنه يريد امتياز المؤلف من دون أن يتحمل مشقة التأليف أو مسؤوليته.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الكاتب في وضع خطة أولية، أو مقارنة الأفكار، أو اكتشاف مواطن الضعف، أو تحسين تركيب فقرة، أو مراجعة اللغة. لكنه لا يستطيع أن يمنح الكاتب تجربة لم يعشها، ولا ثقافة لم يكتسبها، ولا موقفًا لم ينضج داخله. الآلة تستطيع محاكاة الأسلوب، لكنها لا تستطيع أن تصنع صاحب الأسلوب. وقد تقلد الحزن، لكنها لا تحزن؛ وتصف المنفى، لكنها لا تعرف معنى أن يُنتزع الإنسان من بيته؛ وتكتب عن الموت، لكنها لا تفقد أحدًا.

وهذا الفارق هو ما يمنح الأدب قيمته الإنسانية. عندما نقرأ دوستويفسكي أو كافكا أو نجيب محفوظ، لا نقرأ جملًا مرتبة فحسب، بل ندخل إلى تجربة بشرية كاملة، إلى خوف وقلق وذاكرة وصراع مع الوجود. أما النص المصنوع آليًّا من دون تدخل حقيقي من الكاتب، فقد يبدو صحيحًا من الناحية اللغوية، لكنه يفتقر إلى الندبة التي تجعل الكلام حيًّا.

حتى الأخطاء التي يقع فيها الكاتب البشري قد تكون أكثر دلالة من كمال الآلة الظاهري؛ لأنها تكشف طريقته في الرؤية وحدود معرفته وتوتر تجربته. أما النص الآلي فيميل إلى التسوية والمهادنة والتعميم، فيقدم أفكارًا متوازنة إلى حد البرودة، وعبارات سليمة إلى حد انعدام الشخصية. وكلما كثرت هذه النصوص تشابهت الكتب، حتى يبدو كأن مؤلفًا واحدًا مجهولًا كتبها جميعًا.

وتتحمل دور النشر بدورها مسؤولية كبيرة. فالناشر الذي يقبل مخطوطات آلية رديئة لمجرد سهولة إنتاجها أو انخفاض كلفتها لا يسيء إلى القارئ وحده، بل يسيء إلى الكتاب نفسه. وظيفة الناشر لا تقتصر على الطباعة ووضع الغلاف، بل تشمل التحقق والتحرير والتدقيق وتقييم القيمة الفكرية والأدبية للعمل. فإذا تخلّى عن هذه الوظيفة، تحولت دار النشر إلى مطبعة، وتحولت الكتب إلى بضائع ورقية بلا ذاكرة.

وقد يغري الذكاء الاصطناعي بعض الناشرين بإغراق السوق بعشرات العناوين السريعة: كتاب عن السعادة، وآخر عن النجاح، وثالث عن الحب، ورابع عن التاريخ، وكلها مكتوبة بالنبرة نفسها، ومبنية على القوالب نفسها. تتغير العناوين والأغلفة، بينما يبقى المتن تكرارًا لكلام متداول، لا يضيف إلى القارئ معرفة ولا يفتح أمامه سؤالًا جديدًا.

القارئ أيضًا سيجد نفسه أمام مهمة أكثر صعوبة. فلم يعد السؤال: ماذا أقرأ؟ بل أصبح: من كتب ما أقرأ؟ وهل يقف خلف هذا الكتاب عقل وتجربة وبحث، أم مجرد تعليمات وُجّهت إلى برنامج؟ وهل راجع المؤلف نصه وفحص مصادره، أم اكتفى باسمه على الغلاف وصورته على الصفحة الأخيرة؟

لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بمنع الذكاء الاصطناعي أو بإعلان الحرب عليه؛ فالآلة ستبقى وتتطور، وستصبح أكثر قدرة على إنتاج نصوص يصعب تمييزها عن الكتابة البشرية. المواجهة الحقيقية تبدأ بإرساء أخلاق جديدة للتأليف والنشر. فعلى الكاتب أن يعلن حدود استخدامه للأداة، وأن يتحمل المسؤولية الكاملة عن النص النهائي، وعلى الناشر أن يضع معايير واضحة لمراجعة المخطوطات، وعلى المؤسسات الثقافية والجامعات أن تعيد تعريف معنى الأمانة الفكرية في عصر الآلة.

فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تُسقط اسم المؤلف، لكنها تضاعف مسؤوليته. كل معلومة يجب التحقق منها، وكل مرجع ينبغي العودة إليه، وكل اقتباس يلزم التأكد من أصله، وكل فقرة يجب أن تمر عبر عقل الكاتب وذائقته وتجربته. وحين لا يستطيع صاحب الكتاب الدفاع عن أفكاره أو شرحها أو بيان مصادرها، يصبح اسمه على الغلاف نوعًا من الادعاء.

الكتابة ليست عملية رصف للكلمات، وإنما فعل اختيار ومسؤولية وشهادة. والمؤلف لا يُقاس بعدد الكتب التي يصدرها، بل بقدر ما يتركه فيها من فكره وحياته وخصوصيته. قد تساعده الآلة على السير، لكنها لا ينبغي أن تختار الطريق عنه، ولا أن تصل باسمه إلى مكان لم يذهب إليه.

سنشهد في السنوات المقبلة تضخمًا هائلًا في عدد الكتب، وربما يصبح إصدار عشرة كتب في عام واحد أمرًا عاديًّا. لكن كثرة العناوين لن تعني ازدهار الثقافة. قد نمتلك ملايين الكتب، ومع ذلك نعاني فقرًا في الأفكار. وقد تمتلئ المكتبات بالكلمات بينما يندر فيها الصوت الإنساني الأصيل.

الخطر الأكبر أن تعتاد الأجيال القادمة هذا النوع من الكتابة، فتظن أن الأدب مجموعة عبارات جميلة، وأن البحث تجميع للمعلومات، وأن الفكر تلخيص لما قيل. عندئذ لن تكتفي الآلة بمنافسة الكاتب، بل ستغيّر مفهوم الكتابة نفسه، وتخفض توقعات القارئ، وتجعل السطحية أمرًا مألوفًا.

لهذا ينبغي الدفاع عن الكتاب البشري، لا لأنه خالٍ من استخدام التقنية، بل لأنه يظل صادرًا عن وعي إنساني يستخدم التقنية ولا يخضع لها. الكتاب الحقيقي هو الذي نستطيع أن نعثر خلف صفحاته على إنسان: يتردد، ويخطئ، ويبحث، ويعاني، ويكتشف، ثم يقدم إلينا خلاصة رحلته. أما الكتاب الذي لا يقف خلفه أحد، مهما بدا متماسكًا، فليس أكثر من صدى لغوي يبحث عن صاحب.

 

باريس في ١٦ آب ٢٠٢٦

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد

جوان سلو إنسان محب كالنهر، كزهرة، كقبلة، يجد لذته بعد كتابة النص بلحظات لا توصف لجماليتها، يحس بسعادة السلام الداخلي كحجلة ترعى أفراخها أعالي الروح. تهيمن على روحه الطبيعة في كل الفصول، وفي أودية قلبه براكين معاناة سريالية تجعله يكتب ولا يشبع.

قبل أن أدخل عالم القراءة، يجب إعطاء لمحة للقارئ عن الكاتب.

جوان…

شيركوه محمد

أنا الأرض التي لم تبخل على أبنائها بشيء؛ فتحت لهم جبالها وسهولها، وسقتهم من مائها، وأطعمتهم من قمحها، وحفظت أسماءهم بين حجارتها، وأبقت لغتهم حيّةً بين الوديان والجبال.

ومع ذلك، ما زلت أنتظر…

لا أنتظر من يكتب اسمي في قصيدة، ولا من يرسم حدودي على ورقة، ولا من يرفع رايتي للحظة ثم يطويها حين ينقضي الوقت….

النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

يُعدّ فواز حسين أحد أبرز الكتّاب الكرد في جيله. بامتداد عقود من السنين، أنجز رصيدًا أدبيًا ضخمًا باللغتين الكردية والفرنسية، لغتيه المفضّلتين، إلى جانب إتقانه التام للغتين العربية والسويدية.

” رواية فواز حسين: كردي في إيثاكا، 2023 في 252 ص. على الغلاف الخارجي، مكتوب بالفرنسية: فرهاد، كردي من حلبجة Halabja، بلدة صغيرة…

نصر محمد / ألمانيا

رواية «الحب والحرب – سرى كانيه» رواية صدرت عن دار (AVA) للنشر والتوزيع، عام 2021، وتقع في 155 صفحة من القطع المتوسط.

سرى كانيه؛ هو الاسم الكردي لمدينة (رأس العين)، التي تقع في الشمال الشرقي لسوريا، والتي هُجّر سكّانها رغماً عنهم إلى كافة المناطق والدول، ليحلموا بالعودة يوماً ما، وتجديد…