عبدالجابر حبيب
لا أعاتبُ مَن سلخَ اسمكِ،
من “Gêrê Spî” إلى بياضٍ مستعار؛
فالأسماءُ جلودٌ،
ويعرف الخرابُ كيف يرتديها.
ما رأيتُه اليوم
كان قيامةَ الوحل من قاعه،
أخلاقاً تتساقطُ بلا صوت،
وإلهاً يختبئون في اسمه
على مرأى من الألسن
وهي تؤدّي صلاتها في اللهب.
يا للغباء!
رفعوا علمَ البلاد
فوق الرماد،
ويا لعمى البصيرة،
كم آيةً تحتاج قلوبٌ
اتخذت من القرآن غلافاً.
عادوا…
وفي قبضاتهم مفاتيحُ التيهِ،
وفي أضلاعهم خرائطُ المنفى،
وبيوتٌ ما برحت تنامُ في عظامهم،
ودروبٌ تحفظ وقعَ الأسماء
ولو أنكرتها الجهات.
عادوا…
إلى ترابٍ لم ينسَ آثار الأقدام،
إلى أبوابٍ أودعوها صدأ الانتظار،
إلى حقولٍ تنبتُ بالذكريات،
لكنّ الطريقَ
كان فماً من نار.
سياراتٌ تشتعل،
دخانٌ يصرخُ من حنجرة الجحيم،
رصاصٌ يخيطُ فمَ الطريق
بين المنفى، وعتبة البيت.
نساءٌ، وأطفالٌ
في جوفِ الأبواب المحاصرة،
وخوفٌ يطوي الجدران،
ومسمارٌ أزرقُ في سقف العجز،
والسماءُ بكلّ هذا الاتساع.
أيُّ وطنٍ هذا
الذي يعلّق العودةَ على مشنقة الخوف؟
وأيُّ أرضٍ هذه؟
ليدّعي مَن سكنها أنّ لديه صكَّ الولادة،
وتطلب من أصحابها إثباتَ التراب
تحت فم البندقية،
والمفاتيحُ معلّقةٌ في أعناق الغياب.
لم يعودوا بجياد الغزو،
ولا بمناجلَ لذبح الأشجار،
لم يمدّوا أيديهم إلى رغيف طفل،
جاؤوا يحملون ما تبقّى من أعمارهم،
لينفضوا غبار المنافي عن العتبات،
وضعوا تعبَ السنوات عند الباب،
وأعلنوا:
ها نحن هنا…
مَن أطلقَ اللهبَ في حنجرة الطريق؟
مَن وشمَ العودةَ بعار التهمة؟
مَن سلّمَ المفتاحَ إلى محكمة الحديد؟
مَن أقامَ من البيت متراساً،
ومن الجارِ كلبَ حراسةٍ لبوابة الوجع؟
لا تسمّوا النارَ زلّةَ شرر،
ولا الرصاصَ رعشةً في إصبع عابر؛
فالحافلةُ التي التهمها اللهب
لم تكن وحدها تحترق،
كان الوطنُ يتآكلُ في جوفها،
لعنةٌ لا تمحوها بياناتُ الورق.
لا نريدُ للدمِ أن يستنسخَ دماً،
ولا أن نعلّقَ شعباً على مشنقة بندقية؛
لكننا نريدُ للأيدي أسماءها،
وللأفواهِ أصداءَ تحريضها،
وللصمتِ فماً يُسأل
عن تلك الساعة،
حين كان المسؤولُ غائباً عن نافذة الخطر.
فالعدالةُ ليست حطباً،
ولا جرحاً.
إنها تعني أن يعودَ المكسورُ إلى عتبته،
أن ينامَ الطفلُ قريرَ العين،
لا يظلَّ قلبُه حارساً للباب،
ولا يدورَ مفتاحُ الغريب في قفل البيت،
ولا تدورَ فوهةُ السلاح
حول عنق الحياة.
يا تلَّ أبيض،
كم دمعةً ينبغي أن تشربَ الأرض
كي يستعيدَ البياضُ عذريّتَه؟
وكم منفىً يحتاجُ الإنسان
كي يفكَّ طلاسمَ الوطن؟
الوطنُ…
أن تعودَ، ولا يستوقفكَ الخوف،
أن تُدخلَ المفتاحَ في خاصرة الباب،
فتدورَ الحياةُ في قفلها،
لا أن تدورَ العصيُّ في أيادي الجاهلية.
عادوا…
والبيتُ، وراء أسلاك الحصار،
يُصغي إلى همس الحناجر.
فلا تجعلوا الطريقَ إلى البيت
منفىً يتناسَلُ من منفى،
ولا قبراً يُواري ما تبقّى.

التعليقات (0)