البنية السَّرديَّة والعناصر الفنّيَّة في مجموعة / حارس المدفأة / دراسة أدبيَّة نقديَّة تقويميَّة

شفان الأومري

 

تَنْبَثقُ هذه المجموعة القصصيَّة من قلب البيئة الشَّعبيَّة حيث تتجلَّى بساطةُ العيش لا بوصفها سذاجة، بل كحكمةٍ يوميَّة تختفي في تفاصيل الحياة الصَّغيرة.

وقد سعى الكاتب عبر جهدٍ واعٍ ومثابرة إبداعيَّة إلى أنْ يمنحَ هذه العوالم صوتاً يُخرجُها من هامش الصَّمتِ إلى فضاء القراءة والتَّلقي.

فالحكاياتُ هنا لا تُروى لمجرد التَّوثيق، بل لتعيد تشكيل هذا العالم الهامشي في ظاهره، والعميق في دلالاته حيث تتقاطعُ مصائر الأفراد مع إيقاع المكان وتكشف إنسانيَّة الشَّخصيات في لحظاتٍ عفويَّةٍ تحمل من الصَّدق ما يفوق القول المباشر.

ومن هذا المنطلق، تتجاوز النَّصوص حدود السَّرد التَّقليدي لتغدو مساحةَ الاستنطاق ما تختزنه هذه البيئة السَّرديَّة والرُّؤية الكاملة خلفَها في محاولة لالتقاط ذلك البعد الإنساني الّذي يتوارى خلف بساطة الحكاية ويمنحُها عمقها وأثرها.

 

ـ البنية السَّرديَّة واللّغة: اعتمد الكاتب لغةً بصريَّةً بامتياز، واللّغة هنا ليسَتْ مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل هي عدسة كاميرا ترصد التَّفاصيل الدَّقيقة (دبقة التُّوت على الأرض – تصاعد الأبخرة من براميل الأسفلت – خيوط لاعب الدَّبق).

واللّغة تراوحَتْ بين الفصحى الرَّصينة في الوصف وبين المحليَّة المطعَّمة بمفرداتٍ كرديَّةٍ تمنح النَّصَّ هويَّة ومصداقيَّة عالية مثل استخدامه (أي خراب ناهيلن – طرديني) لم يكن ذلك ترفاً، بل كان ضرورةً لتوثيق روح المكان.

ـ اللغة التصويرية: اللّغة هنا ليسَتْ وصفاً، بل إحياء للمشهد. الكاتب يرسم بالكلمات استخدام المجاز ليس للزينة، بل للتعبير عن الألم، مثل (وصف اللعاب الدبق عن التعبير أو الموسيقا بالغول)

ـ في قصة حارس المدفأة يصف الإسفلت المتصاعد في السَّراب الّذي يغشاها مع الأبخرة المتصاعدة من براميل الإسفلت الحامية المتدلقة هناك عند الجرف

هذا الوصف يمنحٌ النَّصَّ ثقلا حسيَّاً يجعل القارئ يشمُّ رائحة الطَّريق.

ـ اللغة الهجينة: الدمج بين الفصحى الأدبيَّة والمفردات الكرديَّة المحكيَّة خلق واقعيَّة سحرية. يعني اللّغة عند الكاتب تعمل كأداة مقارنة ثقافيَّة ضدَّ المحو والتَّهميش، يعني اللّغة في هذه المجموعة القصصيَّة لم تكن مجرد وعاء للمعلومات بل كانت أداة (نحت للمشاعر).

ـ السَّرد: استخدم الكاتب تقنيَّة الاسترجاع بكثافة. الشَّخصيَّة الرَّئيسيَّة غالباً تبدأ من لحظة سكون في الحاضر لتنطلق نحو جغرافيَّة الذَّاكرة، واعتمد الكاتب على السَّرد الوصفي، فهو لا يخبرك أنَّ الشَّخصيَّة حزينة، بل يجعلك ترى التَّوت الأسود وهو يصبغ الأرض كالدّماء ليوصل إليك فكرة الفقد والخراب.

اعتمد السّرد على المفارقة كمحركٍ أساسي للأحداث (مفارقة الهويَّة – قصة كاوا) حيث يتحوّل اسم البطل الأسطوري إلى مخالفة يجب إخفاؤها بقطعة كولاج لإرضاء البيروقراطيّة وهي ذروة التَّعبير عن تهميش الهويَّة.

مفارقة الوجع في قصة (حماقة) حيث تتحوّل الموسيقا الكلاسيكيّة من مصدر للمتعة إلى صرخة رعب لأنَّها استيقاظ مفاجئ للذَّاكرة النّائمة.

المصداقيَّة الفنّيَّة:

–        نجاح الكاتب في نقل روح البيئة (رائحة القهوة – أغاني رفعت داري) دون تزييف.

–        النَّقد الجريء للذات – الجرأة في نقد الدَّاخل الكردي والانقسامات الحزبيَّة والجهل، ممَّا رفع العمل من مجرد توثيق محلي إلى أدب إنساني تُقَدَس، والقدرة على اختزال الجيل في مأساة صحن توت أسود أو تنهيدة فراشات محترقة.

ـ الشَّخصيات

شخصيات القصة ليستْ أبطالاً خارقين، بل هم أبطال /هامش. /

–        المثقف الّذي يمرُّ بضائقةٍ شديدةٍ أو أزمةٍ نفسيَّةٍ أو ماليَّةٍ أو سياسيَّةٍ

–        الّذي يقرأ لـ تشيخوف وسليم بركات ولكنَّهُ يصطدم بواقعٍ يصف بالمتخاذل الّذي لا يفهم شيء كما في قصة (إنَّكَ لا تفهم شيئاً).

–        بافي مظلوم وبافي زيبار يمثلان ثنائيَّة الاستقطاب السّياسي الكردي ببراعة تصوير ساخر للواقع.

–        الشَّخصيات الغائبة الحاضرة مثل خورشيد وحسن حريي، وهم يمثلان الرّموز المفقودة الّتي يبكي عليها السّارد.

–        المثقف الّذي يعاني من الاغتراب داخل مجتمعه يبحث عن معاني الأسماء مثل قصة كاوا.

موت خورشيد وجنون حسن حريي هو تمثيل رمزي لانكسار الحلم الجماعي.

–        بافي مظلوم يكشف هشاشة الوعي السّياسي والادعاء الثّقافي بأسلوب ساخر، حيث الصّداقة مكنونة بالانتماء الحزبي الضَّيق مما يعكس تمزق النَّسيج الاجتماعي.

ـ المكان: (حي الهلاليَّة، قامشلو، حلكو، نهر الدَّغل)

هناك ارتباط صوفي بين الشَّخصيات والمكان، المكان عند الكاتب هو الهويَّة الّتي تتعرض للتغيير (الزَّحف العمراني، جفاف النَّهر). يبكي النهر الّذي نضب ماؤه. يبكي جسر هلاليَّة الّذي سوي بالأرض. هنا المكان يتحوّل الى كائنٍ حيٍّ يشعر الكاتب بموته

الكاتب يمارس هواية مضنيَّة في إعادة بناء المكان ذهنيَّاً يمحو العشوائيات ليعيد الرَّبوة الجرداء كما كانت كنوعٍ من الرّفض للتشويه الّذي أصاب مدينته.

المكان الرّمز (حاوظ الماء) يتحوّل من خزان ماء إلى صاري لرفع الأعلام الحزبيَّة، ممَّا يعبر عن تسيس كلّ تفاصيل الحياة اليوميَّة مثل قصة السَّيئون.

–        المكان عند الكاتب ليس جغرافية صماء مسكون برموز مدينته قامشلو وحيّ الهلالية يحضران ككيانات حيَّة يبرع الكاتب في إعادة بناء المكان ذهنيَّاً، حيث يستخدم البصر كأداة لمحو القبح الحالي وإعادة رسم جمال الغابة. المكان هنا هو الهويَّة الّتي تتعرض للتشويه، تغيير الأسماء – جفاف الأنهار غزو البيوت العشوائيَّة

– المفارقة المكانيَّة: في قصة أبناء الجن تحوّل المكان من غابة إفريقيّة متخيلة إلى قامشلو واقعيّة، مما يعكس وحدة المعاناة الإنسانيّة والسّياسيّة.

    الزّمان:

هناك صراع بين زمنين، زمن النَّقاء القديم حيث البيادر والطّفولة، وزمن القبح الحالي، الرّصاص، الأقبية المزدحمة – قرارات تغيير الأسماء.

الزّمان النّفسي:

الزَّمن عند الكاتب دائري، يبدأ من الحاضر المر ليرتدَّ إلى زمن الأب الشَّاب أو شجرة التُّوت، مما يجعل الحاضر مجرد خسارة مستمرَّة للماضي.

خامساً: الحبكة     

أجاد الكاتب في القفلة، في قصة شجرة التُّوت الأسود كانت القفلة إنسانيَّة دافئة بامتياز (حالات الإسعاف) في قصة كاوا كانَتِ القفلة مفتوحة على الألم والوجع للبحث عن الهويَّة.

بينما في قصة حماقة (الصَّرخة وقطع الكهرباء) كانَتِ القفلة تعبّر عن الصّدام بين رقَّةِ الموسيقى وخشونة الواقع.

يميل الكاتب إلى النّهايات الدَّائريَّة أو الصّرخة، في قصة أبناء الجن، النَّهاية كانت تنهيدة ألم وفراشات محترقة وهي قفلة شاعريَّة تلخص مأساة جيل كامل.

أين أجاد الكاتب؟

اجاد في رسم التفاصيل الدقيقة. الكاتب بارع في تحويل المشهد العادي (غسل المدافئ في النهر) الى لوحة فنية خالدة. كما اجاد في ربط الخاص بالعام قصة (أبناء الجن)

تشخيص: الكاتب جعل الشَّجرة تضحك والمدفأة تحرس والرّسائل تتحدَّث

–        النقد السّياسي المبطن: نجح في نقد الواقع السّياسي سواء السّلطوي أو الحزبي الضّيق بأسلوب ساخر (قصة ساحات واسعة) هي نموذج عبقري لنقد المثقفين الّذين يلهثون في السَّاحات الواسعة.

–        الصّدق الشّعوري؛ هناك مسحة من الحنين غير المصطنعة الّتي تجعل القارئ يتنفس غبار قامشلو معه

–        المصداقيّة الفنّيّة؛ نجح الكاتب في نقل روح البيئة دون تزييف القارئ، يشتمُّ رائحة القهوة المرَّة – يسمع أغاني رفعت داري، كأنَّهُ في قلب الهلالية.

–        القدرة على التَّكثيف: في قصة شجرة التُّوت الأسود لخص الكاتب صراع الأجيال ومفهوم الجيرة والجمال في مشهد الطّفلة وصحن التّوت.      

 

ملاحظات:

أين لم يكن الكاتب موفقاً؟

–        ضغط العاطفة أحيانا يُطغى، الأنين الشَّخصي على البناء الدّرامي مما يقرب النَّصَّ من البوح الوجداني أكثر منها بناء قصص متكامل الأركان. 

–        الإفراط في التَّفاصيل الدَّقيقة، قد يبني حاجزاً مع القارئ (البعيد) رغم قيمتها التَّوثيقيَّة للمحليين.

–        الاستطراد الوصفي في بعض المقاطع (وصف النَّهر في قص حارس المدفأة): يغرق الكاتب في تفاصيل جغرافيّة غير الملم بتضاريس المنطقة مما يبطئ إيقاع السرد.

–        النهايات التّكراريَّة: اعتمد الكاتب في أكثر من قصة على البكاء أو الصَّرخة كخاتمة، ممَّا قد يُضعف عنصر المفاجأة مع التَّكرار قراءة المجموعة.

–        الإفراط في ذكر الحارات والشَّخصيات قد يبني جداراً بين النَّصّ والقارئ البعيد العالمي رغم أنَّها يزيد من واقعيَّة القصة للمحليين.   

ـ حاول في بعض القصص تقليل الوصف التَّفصيليّ لصالح الحدث الدَّرامي لزيادة وتيرة التَّشويق.

ـ جرب الابتعاد قليلا عن المباشرة في نقد الواقع السّياسي واترك للرَّمز مساحة أكبر كما فعلْتَ في قصة (حسن حريي) فقد كان أجمل قصص لأنَّها رمزيَّة.

ـ جرب السَّرد بضمير الغائب أو المخاطب لتنويع التَّجربة السَّرديَّة بعيداً عن (الأنا) الطَّاغية.

ـ استغرق الكاتب وقتاً طويلاً في وصف حياة الحجي داوود وسفر ابنه قبل الدّخول في صلب الموضوع كما في قصة (فودكا).

إنَّ هذه المجموعة القصصيَّة هي مرثيَّة للمكان واحتفاء بالهويَّة وبيان احتجاج جمالي في آنٍ واحدٍ

الكاتب نجح بتفوق في تقديم وثيقة أدبية ووجدانيَّة لمجتمع يعيش مخاضات عسيرة وفي تحويل الغبار والأرق والخوف إلى مادة أدبية رفيعة. حين جعل حارس المدفأة رمزاً لكلّ من يحاول الحفاظ على جذوة الحقيقة في زمن الرَّماد، وقصة كاوا هي قصة كلّ إنسان يصارع من أجل الحفاظ على أسمه وذاكرته في وجه عالم يحاول مسخه.

الكاتب يمتلك عين صقر في التقاط التَّفاصيل. وقلب شاعر في صياغة الأوجاع، وقد أجاد في خلق توازن صعب بين التَّوثيق التَّاريخي والتَّحليق الأدبي.

هذه المجموعة هي صرخةٌ هادئةٌ لكن صداها طويل، وهي ليست مجرد حكايات بل هي حفريات في الرُّوح الكرديَّة. استطاع فيها دمج الشَّخصي بالعام والمحلي بالكوني بلغةٍ رشيقةٍ قادرة على استحضار الماضي، ومحاكمة الحاضر.

وبكلّ ما ذُكِرَ أكون قد وضعت اليد على مكامن القوة والجمال في عملك………………….

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شعر: فقي تيران
ترجمها شعرًا: منير خلف

أنت المحبوبةُ
لا تنسَي أنّكِ أنتِ المحبوبَهْ

لا تنسَي أنك حين جرَحْتِ القلبَ
أضعْتُ الحلَّ المعقودَ بوصلكِ
يا من دونك لا أملكُ شيئاً
أشيائي دونَكِ يا ذاتي مسلوبَهْ.

قلبي مبتهجٌ بحضورِكِ،
لكني المصفودُ بقيد غيابِكْ

عطِشٌ لزُلالكِ،
مشتاقٌ لكتابِكْ

أجنحتي من ضوءٍ
تسعى تحليقاً
كي يقطفَ نجواهُ العليا من أعتابِكْ.

قدري يا ذاتَ الحسنِ
زجاجةَ أقداحي الرّوحيّةَ،
ريحان البيتِ
رشيقةَ قدٍّ ..
ساحرة اللحظِ
رقيقةَ إحساسي الأعلى،
أتلوّى…

محمود أوسو

أنا ابن الجبل… وُلدتُ حرّاً
لن أنحني، ولن أكون عبداً
روحي من صخرٍ، ونفسي من برقٍ
ودمي من أنهارٍ لا تخضع لسد

هواء بلادي أتنفّسه نقاءً
برائحة المطر حين يعانق التراب
وبعطر الزعتر البريّ في الفجر
وبهمس الزهور الجبلية على الهضاب
ومع صرخة الصباح يفوح العطر
كأنّ الجبل يبخر سِرّه للسحاب

بحثتُ في الدنيا عن صديقٍ وفيّ
فلم أجد سوى الجبال رفيقاً
تُصغي لوجعي ولا…

عبدالجابر حبيب

أرقام

ظهر الناطق الرسمي بوجهٍ لامعٍ يحدّث أمهات الشهداء عن الانتصارات، واعتبر المقابر مجرد سوء تفاهم، وأنَّ آلاف الغائبين تسرّبوا صدفة من ثقوب الوطن، أمّا الكراسي فبقيت شاغرة في انتظارهم، نظيفة بما يكفي لجلوسٍ مريح، وعند أول قرار رفعوا عدد الشهداء ظنّاً منهم أنهم يرفعون أسعار الخبز.

*********

صدى

في القاعة ذاتها، جلسوا اليوم ينفخون الغبار عن كرسي…

حاوره إبراهيم اليوسف

 

يعد الشاعر والكاتب محمد شيخ عثمان واحد من الأسماء التي كان لها دور فعلي في الحياة الثقافية الكردية، بشكل عام، وليس في عفرين وحلب، فحسب، إبداعاً وترجمة، ومتابعة وإعداداً لأعمال عدد من الشعراء وفي مقدمتهم حامد بدرخان. فقد سمعت اسمه أول مرة من خلال بدرخان نفسه، إذ كان أحد…