أنا كوردستان …. عتاب الأرض

شيركوه محمد

أنا الأرض التي لم تبخل على أبنائها بشيء؛ فتحت لهم جبالها وسهولها، وسقتهم من مائها، وأطعمتهم من قمحها، وحفظت أسماءهم بين حجارتها، وأبقت لغتهم حيّةً بين الوديان والجبال.

ومع ذلك، ما زلت أنتظر…

لا أنتظر من يكتب اسمي في قصيدة، ولا من يرسم حدودي على ورقة، ولا من يرفع رايتي للحظة ثم يطويها حين ينقضي الوقت. أنا أنتظر ذلك اليوم الذي أصبح فيه وطنًا يُبنى، ودولةً قائمةً بذاتها تبقى.

ما الذي كان ينقصني

أكانت الأرض تنقصني، وجبالي تحمل ذاكرة خمسة الاف سنة من الكفاح .أكان الماء ينقصني، ودجلة والفرات وروافدهما تجري في عروقي. أكانت تنقصني السهول والقرى والمدن، أم كان ينقصني الشعب، وأبنائي ما زالوا يحملون لغتي واسمي وذاكرتي. لم تكن مأساتي أنني بلا أرض.

لم تكن مأساتي يومًا أنني بلا أرض، بل أن الأرض بقيت تنتظر إرادةً تجمعها، وأن الشعب بقي ينتظر مشروعًا يوحّده،
وأن الحلم طال حتى حسبه بعض أبنائي مستحيلًا. أنني لست حلمًا… بل حقّ .

خلق الله البشر شعوبًا وقبائل وأسرًا، فقال:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]

وجعل اختلاف الألسنة من آياته:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ… وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22]

فلماذا أخجل من اسمي . ولماذا أخفي لغتي ولماذا يصبح ما هو حقٌّ لغيري حلمًا حين يأتي دوري .

أنا شعبٌ، ولي أرضٌ،
ولي لسانٌ وذاكرة، ولي حقٌّ في أن أصنع غدي كما صنعت الشعوب أوطانها.

أنا أقدم من حدودكم. أنا لست ابنة خريطة الأمس. لم تبدأ حكايتي يوم جلس الآخرون حول الطاولات، فقسّموا أرضي وجزّؤوها. قبل الحدود كنت هنا. وقبل الأسلاك كنت هنا. وقبل أن تتغير أسماء المدن والرايات، كنت هنا.

في ذاكرتي كاوا الحداد؛ لا مجرد اسم في حكاية، بل نارٌ تقول إن للطغيان نهاية.

قد يصمت الجبل طويلًا، لكنه لا ينسى صدى خطواته.

وفي جذور ذاكرتي: زاغروس، وآرارات، وقنديل، وجودي، وشنكال، وغابار، وهركول، وسيبان، ونمرود، ومونزور، وأزمر، وكاروخ، وكرداغ في عفرين، وكزوان، وتندورك… جبالٌ ليست حجارةً صامتة، بل سلاسل من الذاكرة تمتد على جسدي. أنا قوة الطبيعة على هذه الأرض، وأنا مفتاح حمايتها؛ من نجاة نوح إلى نبوءة زرادشت، ومن رستم زال إلى قاضي محمد، ومن حلبجة إلى ولادة كلمة الوطن، أنا الحق إن كان للحق وجود؛ وسلاسل جبالي وسهولي حصوني،
تحرسني في وجه أعدائي. وعلى صفحات التاريخ تعاقبت أقوام وإمارات وأسر كوردية؛ من الكوتيين والكاردوخيين، إلى الحسنويين والمروانيين والشداديين، ثم بوتان وسوران وبابان وبهدينان و…… عبر اسمي العصور، وبقي التاريخ علامةً وشاهدًا على أرضٍ لم تفقد ذاكرتها. ومن أسرة كوردية خرج صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ ابن البيت الأيوبي ذي الجذور الكوردية، الذي أصبح اسمه واحدًا من أشهر أسماء القرن الثاني عشر. وليس المقصود أن نتكئ على اسمه وننام فوق أمجاده. بل أن نسأل أنفسنا: إذا استطاع رجل من هذا الشعب، قبل قرون، أن يبني قوةً سياسية ويغيّر موازين عصره، فلماذا نقنع أنفسنا اليوم بأن بناء مؤسساتنا ومستقبلنا أكبر من قدرتنا. وفي لغتي نهض أحمد خاني. لم يترك لنا في مم  وزين قصة حب فحسب، بل ترك بين ثنايا ذلك الحب عتاب شعبٍ مزقته الفرقة. وما زال سؤاله قائمًا أمامنا.

متى يصبح الألم وعيًا. ومتى يصبح الوعي وحدةً. ومتى تصبح الوحدة وطنًا. وفي ذاكرتي شرف خان البدليسي والشرفنامة، التي حفظت أسماء الإمارات والأسر الكوردية وتاريخها، كي لا يستطيع النسيان يومًا أن يقول لم تكونوا هنا.

مرّت الإمبراطوريات. وسقطت العروش. وتبدلت الرايات. وأُعيد رسم الخرائط. لكن الجبال بقيت. والاسم بقي. والذاكرة بقيت. من نار كاوا إلى مهاباد، ومن كلمات خاني إلى أغاني الجبال… كلما قالوا؛ انتهت الحكاية، فُتح للحكاية فصل جديد.

وكلما انطفأت نارٌ في جبل، أضاء جبلٌ آخر. وكلما ظنّ التاريخ أنني أصبحت ماضيًا، خرج طفل من بين حجارتي ونطق اسمي من جديد:

كوردستان.

لكنني لا أريد تاريخًا لا نفعل سوى البكاء عليه. ولا أريد أجدادًا عظماء، يجلس أحفادهم مكتفين بعدّ انتصاراتهم.

فالماضي الذي لا يبني المستقبل يتحول، مهما كان عظيمًا، إلى شاهد قبر. قد كُتب اسمي حتى في المعاهدات ولم تكن كوردستان فكرة وُلدت هذا الصباح. في سنة 1920، أفردت معاهدة سيفر قسمًا باسم «كوردستان»، وتناولت المواد 62 إلى 64 أوضاع المناطق الكوردية، والحكم الذاتي، ومسارًا مشروطًا كان يمكن أن يقود إلى الاستقلال. مضى أكثر من قرن. تغيّر العالم. قامت دول. وسقطت دول. وتجزأت بلدان. واتحدت أخرى. وأنا ما زلت أنتظر. فكم قرنًا آخر يحتاج أبنائي لكي يدركوا ويتعلموا, أن التاريخ لا يمنح وطنًا لمن يكتفي بالانتظار.

هنا يبدأ عتابي عتابي ليس لأن أبنائي لم يحبوني. لقد أحبوني كثيرًا. كتبوا عني، وغنّوا لي، ورفعوا رايتي، وحملوا صورتي، وحفظوا أسماء جبالي وقراي ومدني. لكن الحب وحده لا يبني دولة. الوطن لا يحتاج دمعةً أخرى؛ بل يحتاج فكرةً أكبر. ولا يحتاج شعارًا آخر؛ بل يحتاج مؤسسةً أخرى. ولا يحتاج خلافًا جديدًا؛ بل يحتاج إرادةً تدرك أن ما يجمع أبناء هذه الأرض أكبر مما تفرّقه الأحزاب والأشخاص. الحرية ليست انتظارًا. ولا يكفي أن يعرف الإنسان من يكون؛ بل عليه أن يصنع بأفعاله ما يريد أن يكونه. ويقول القرآن الكريم :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

لذلك لا تنتظروا الآخرين كي يبنوني. ابنوني بالعلم. واحفظوني بالوعي. وقوّوني بالاقتصاد. وثبّتوني بالمؤسسات والتنظيم.
وأبقوا لغتي حيّةً بالثقافة. واحفظوا حقوقي بالقانون. واحموا أرضي وإنساني بالدفاع المشروع.

فالدولة لا تبدأ يوم تُرسم الحدود على الخريطة. الدولة تبدأ يوم يصبح الوطن أكبر من الحزب، وأبقى من الزعيم، ويصبح المستقبل أثمن من الكرسي والمصلحة.

وليكبر الطفل في قامشلو وهو يعلم أن فرحة الطفل في هولير فرحته. وأن جرح الطفل في عفرين جرحه. وألا تكون السليمانية بعيدةً عن قلبه. وألا تكون آمد ومهاباد مجرد اسمين خلف الحدود. فالحدود تستطيع أن تقسّم الأرض، لكنها يجب ألا تستطيع تقسيم الذاكرة. والوحدة لا تعني أن نفكر جميعًا بالطريقة نفسها. بل أن نختلف في أفكارنا، وألا نختلف على الوطن. قد تختلف آراؤنا، لكن غايتنا واحدة. وقد تختلف طرقنا، لكن البيت واحد. تلك هي الوحدة التي تسبق الخريطة وحدة القلب، ووحدة المصير، ووحدة الغاية.

أنا كوردستان… أنا الأم

أنا كوردستان.

لست جبلًا فقط. ولست نهرًا فقط. ولست علمًا ورايةً فقط. ولست حدودًا فقط. أنا أم. والأم لا تريد أبناءها نارًا تحترق لكي تبقى هي حيّة. بل تريد أن تبقى هي حيّةً كي يعيش أبناؤها. أنا لا أريدكم للموت.أنا أريدكم للحياة.

أريد العالِم في مختبره. والمعلّم يحمل لغتي إلى مدرسته. وأريد العامل الذي يبني مدينته. والفلاح الذي يحمي أرضه.

وأريد الكاتب الذي يحفظ ذاكرته.و السياسي الذي يرى الوطن أكبر من كرسيه. وأريد الإنسان الذي يحمي حقه وكرامته وأرضه. إن الكفاح من أجلي ليس كفاحًا من أجل قطعة أرض فحسب. إنه كفاح من أجل طفل يولد فوق أرضه، فلا يكبر غريبًا عليها. من أجل أم لا تودّع أبناءها على أبواب المنافي. من أجل شاب لا تصبح الهجرة حلمه الوحيد للوصول إلى الحرية. من أجل لغة لا تحتاج إلى إذن كي تعيش.ومن أجل شعب يستطيع أن ينظر إلى جباله ويرفع رأسه ويقول:

أنا كوردي.
وهذه كوردستان.
وطني.
وبيتي.
هذه أرضنا.
وهذه إرادتنا.
وهنا سنبني مستقبلنا

 

 

المانيا 16.08.2026

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد

جوان سلو إنسان محب كالنهر، كزهرة، كقبلة، يجد لذته بعد كتابة النص بلحظات لا توصف لجماليتها، يحس بسعادة السلام الداخلي كحجلة ترعى أفراخها أعالي الروح. تهيمن على روحه الطبيعة في كل الفصول، وفي أودية قلبه براكين معاناة سريالية تجعله يكتب ولا يشبع.

قبل أن أدخل عالم القراءة، يجب إعطاء لمحة للقارئ عن الكاتب.

جوان…

صبحي دقوري

أصبحت ظاهرة اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي عامة، تمتد إلى الكتابة والترجمة والبحث والنشر. وها هي المكتبات ودور النشر يوشك أن يجتاحها سيل من الكتب المصنوعة آليًّا، غير أن كثيرًا منها لا ينتفع بهذه التقنية بوصفها أداةً مساعدة، بل يأخذ ما تنتجه حرفيًّا، من دون مراجعة أو تدقيق أو مساءلة أو إضافة إنسانية. وهنا تكمن…

النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

يُعدّ فواز حسين أحد أبرز الكتّاب الكرد في جيله. بامتداد عقود من السنين، أنجز رصيدًا أدبيًا ضخمًا باللغتين الكردية والفرنسية، لغتيه المفضّلتين، إلى جانب إتقانه التام للغتين العربية والسويدية.

” رواية فواز حسين: كردي في إيثاكا، 2023 في 252 ص. على الغلاف الخارجي، مكتوب بالفرنسية: فرهاد، كردي من حلبجة Halabja، بلدة صغيرة…

نصر محمد / ألمانيا

رواية «الحب والحرب – سرى كانيه» رواية صدرت عن دار (AVA) للنشر والتوزيع، عام 2021، وتقع في 155 صفحة من القطع المتوسط.

سرى كانيه؛ هو الاسم الكردي لمدينة (رأس العين)، التي تقع في الشمال الشرقي لسوريا، والتي هُجّر سكّانها رغماً عنهم إلى كافة المناطق والدول، ليحلموا بالعودة يوماً ما، وتجديد…