محمود درويش .. اختزال قضية

  روني علي

    محمود درويش .. ذاك العملاق الثائر، الذي تربع على عرش الكلمة – القصيدة، وأجاد صنعتها، ليرتقي بها، ويجعل منها أناشيد، تهتف بها الحناجر وتشد من أزر الثائر، دفاعاً عن معاني الحب وقيم الجمال، في ساحات الأمل التي ظل ينشدها، وهو ممتلك لإرادة البقاء، والحلم الذي يراوده في أن يرى الإنسان ملتصقاً بكرامته، محافظاً لإنسانيته، متشبثاً برسالة الوجود التي هي من ماهية بني البشر، متجاوزاً في ذلك اللون والعنصر والجنس والانتماء ..
    محمود درويش .. هو قصيدة العشق للأرض، وصوت الحرية التي تغزل الأمل لكل الشعوب التي تكافح من أجل الانعتاق، وتخط وثيقة المستقبل – الحلم، للمكتوين بنار البؤس والشقاء والحرمان، وسط أهازيج تهلل للغد والأفضل، وعلى أجنحة قصائد تأبى، إلا أن تكون محطات النهاية قبراً للطغيان، وما بعد النهاية؛ بداية للعشق الذي تبرعم في أحضان الدم، وتجذر في أحشاء التواصل بين الموت والحياة، متآلفاً في صمته وكبته، بين لغة الرصاصة وعطر الياسمين .. 

   محمود درويش .. سيرة شعب واختزال قضية في كلمات، تلك التي ظلت موضع الاتفاق، بين التي تقاتلت وتناحرت وتباينت واختلفت، أو تلك التي انحازت إلى تعبيرات القرقعة ومسارات الأنفاق المظلمة، حين كانت تتكئ على الزناد وأكتاف الميليشيات، وتدخل معها مقدسات القضية ضمن خنادق التجاذبات أو المواجهات، وفق ما كانت ترسم لها أجندات القوى، التي كانت وما زالت، تتحكم بمفردات معادلة القوة والتوازنات، حتى باتت تلك الكلمات – قصائد درويش – تاريخاً دون كل التواريخ، تسطر قضايا الوجود، وتذهب بعيداً في الحقائق، لترسم لنا لوحة الانبعاث ضمن خارطة، ابتليت بثقافة، كان العنوان الأبرز لها؛ أن الحياة لا تستمر إلا عبر موت الآخر، وأن ديمومة الأنا مرهونة بفناء كل ما من شأنه أن يعرقل تضخمه، ويحد من سلطته وسطوته، تلك الثقافة التي حولت الحدائق إلى منصات لاختبار القوة وأشكال الترهيب، حين أصبحت تحتضن المشانق عوضاً عن الورود والزهور، وجعلت من الواحات ملاذاً أخيراً لكل من كانت الأصابع توشي بأنه يقف على مسافة من الـ (نعم) للقائد أو الرمز أو الأسطورة، حتى لو كان رضيعاً ولا يفقه الكلمة، فباتت الأجساد تتكدس وتتراكم على أنغام ثقافة المقابر الجماعية، والأشلاء تتناثر وفق مقتضيات الأمن القومي، والقصبات تتحول إلى ساحات لممارسة طقوس الموت البطيء، حين كان الخردل والسيانيد يفتك بالأرواح، ليس لسبب سوى الاختلاف في الانتماء ..
   هي الثقافة التي تمرد عليها درويش حين واجه القتل بالكلمة، وجابه الطغيان بالقصيدة، دون أن ينسى في كل ذلك، رسالته الإنسانية، وإنسانية رسالته، كونه صاحب قضية، وسفيراً لها، ومنها أدرك، وعبر التجربة ومعايشة الواقع، أن الظلم والشقاء ومخاضات الولادة بين الأزيز والهدير ومشاهد القتل والرعب والتشرد، تتجاوز في معانيها وصورها ودلالاتها، كل ما هو مخطوط في الكتب والبيانات، أو ما هو من رسم الخيال وانطباعات المشاهد، وعلى تلك المشتركات في المعاناة والهدف، كان له وقفته مع شركائه في التاريخ وجيرانه في الجغرافيا، عبر قصيدته (كردستان)، وإن كان ذلك يشكل في جانب منه وفاءً للقدس والتاريخ، كون الذاكرة المقدسية ما تزال تحتفظ بصورة ذاك الفارس الذي تقدم لنجدتها، ونقش في وجدان كل من قرأ التاريخ بلغة الحقيقة، تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الناصر صلاح الدين وحطين وتحرير القدس ..
    هو محمود درويش .. طراز من نموذج الوهم أو اللا منطق، حين نفتش عن مكنونات الواقع في بقاعنا المترامية، التي تعج بما هو آسن وخارج عن دائرة ما تم تلقيننا إياه، على أننا ننتمي إلى مهد الحضارات، أو حين نبحث عن أبجديات المنطق ذاته في واقعنا الذي أنتجنا على شكل بيادق، لا بد وأن تكون منقادة لأوامر أولي الأمر وطاعتها، وهو نفسه أسطورة الخصوبة التي تمد التواصل مع حضارة الإنسانية، حين نبحث في المستقبل عن هويتنا ورسالتنا، لا بل هو ذاك الفارس الذي أبى أن يكون مع الذل شريكاً أو إلى العدم انتماءاً، وإنما ظل شامخاً وسط انكسارات القيم وانتكاسات الدهر، وعورة الشعارات التي كانت تعتاش على قضيته، التي ظل جزأً منها ومنتمياً إليها، تلك الشعارات التي من أجلها وفي ظلها، كانت المقاصل تحصد الرؤوس، والزنازين تستقبل قوافلها، والهدف أولاً وأخيراً، هو خدمة البقاء للأنظمة التي تهاب شعوبها وحركة التاريخ ..
   هو درويش .. من يقرأ سيرته ورحلته مع القصيدة، يستغني عن قراءة فلسطين، ومن يتعرف عليه، يلم بتفاصيل القهر والظلم، ويدرك جيداً أن ذاك العملاق قد رسخ فلسفة تتلخص فحواها، بأن الشخص قد يرتقي بالقامة إلى مصاف القضية نفسها، حين تكون القضية مجبولة فيه هويةً وانتماءاً، ويجعل من قضيته قضية غيره، حين يمسك بخيوط التوظيف، ويلم بمفردات التواصل، وإن كان الرجل لم يبخس الغير حقه، كونه يعي أن التاريخ لا يتوقف عند رؤية أحادية، أو موقف منفرد، وعليه فقد دعا في آخر قصائده الآخرين إلى متابعة المشوار، يقيناً منه أن الانتقال من ثقافة الدم إلى ثقافة الإنسان، لا بد وأن تستند إلى عامل التواصل وعنصر الاستمرارية ..
    لقد عودتنا ثقافة الدم في الجغرافيا التي ننتمي إليها تجنساً، أن نودع الكبار – غالباً -، إما رؤوساً دون الجسد، أو أجساداً دون الرؤوس، أو نصطف أرتالاً – في قرارة أنفسنا – لنستقبل الجنازة وهي تودع الزنزانة، ونودعها بدورنا ضمن خريطة نجهل إحداثياتها وتفاصيلها، وإذا كنا مع درويش نعرف اللحظة والحدث والإحداثيات، إلا أن العجز هو نصيبنا في أن نشاركه مراسيم الوداع .. وداع ذاك الثائر الذي – هكذا أعتقد – ننتمي سوية إلى هوية الانحياز إلى الكلمة، والاختيار للكلمة، والتمسك بالكلمة، كسلاح أقوى من كل الترسانات في مواجهة الخلاف والاختلاف، أو في التواصل بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات، ولأن العجز هو نصيبنا في الوصول واجتياز نقاط التفتيش عبر أكثر من جواز سفر، لا يسعنا إلا أن نبرق لفلسطين ولكل من يتخذ من رسالة درويش نبراساً، وفي يوم الوداع، بأننا سنبقى شركاء التاريخ والجغرافيا، وسنبقى مدافعين عن إنسانية الإنسان، غير آبهين للكلمات، سوى تلك التي تؤسس للحب والجمال، وتساهم في بناء الحياة وفق نسغ، لا طريق إليها ولا مسارات للدخول فيها عبر أدوات الفتك وإهدار الدماء، بل لها طريقها الوحيد، طريق التآلف والتعايش والانتماء إلى الهوية الإنسانية، وعليه نمد بأيدينا عبر فضاءات معتمة، لننثر بعضاً من أقحوانة جبالنا المحروقة، على ذاك النعش الذي سوف يبقى مخلداً في ذاكرة كل من أراد القول بأننا ((نحن نحب الحياة إن استطعنا إليها سبيلاً)) ..

  13/8/2008

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

استهلال

دنيز وزياد ليسا خلاصة الكردية

ليسا أول الكردية

ليسا آخر الكردية

إنما تأكيد ديمومة الاسم بمعناه المشترك

في أبجدية معنى أن تكون كردياً

هما لم يمضيا إلى حتفهما

إنما إلى زحفهما

إلى مضاء عزيزتهما

لم يقولا: وداعاً يا حياة

إنما سلام عليك يا حياة

لم يتفقدا اسميهما الينبوعيين

إنما أضافا إلى نهرهما الكردي زخم خصوبة

وفي الذي أسمّيه باسمهما

باسم كل كردي يصعد…

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي…

عبد الستار نورعلي

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

 

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

 

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

* *

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

 

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في…

ماهين شيخاني

 

استيقظتُ متأخراً على غير عادتي، حلقي جاف كأنه ابتلع حفنة من التراب، وشيءٌ ما يشبه الطعم الحديدي يتخمر في فمي. على الطاولة، بيضة مسلوقة وخبز يابس وكوب شاي بارد. عضضتُ الخبز، فتحوّل بين أسناني إلى رماد، كأن أحدهم عبأً جوفي برماد موتى محترقين.

ظللت ألوك الرماد بصمت. لا طيور في الخارج، لا صوت…