تحقيق وإعداد: سناء طبّاني * أطفالي هم النور الوحيد الذي يضيء حياتي!
* أتألم من منظر زوج يحمل طفله، وأطفالي بلا أب!
* ليس هناك من يستطيع منعي إن قررتُ الزواج ثانية..!
لقد أصبحت هذه الإنسانة ضحية الحروب وضحية التقاليد الاجتماعية أيضا، ويترتب عليها مواجهة حياة كفاح قاسية، وإضافة لخسارة حياتها الزوجية، عليها أن تعيش وتتآلف مع وحدتها، وتتحمل أعباء عائلتها، وأيضا يجب ا ن تقلع عن المتع الدنيوية وأن لا تتبهرج ولا تتجمل ولا تفكر بإعادة تأسيس حياة جديدة، وإلاّ ستتهم بنكران الجميل للزوج ألأول وبعدم مراعاة مشاعر أهله. وعندما تخرج ألأرملة عن القواعد التي يفرضها المجتمع ستفقد احترام محيطها لها.
كشفت نوال السامرائي وزيرة الدولة لشؤون المرأة بالعراق إن عدد ألأرامل بسبب الحروب التي خاضها البلد بلغت حوالي مليوني أرملة وتشير التقارير التي تحدثت بالموضوع إن ما بين 90ـ100 امرأة عراقية تترمل يوميا نتيجة أعمال القتل والعنف الطائفي والجريمة المنظمة وخاصة في الفترة التي اشتدت فيها أعمال العنف في العراق، ولا غرابة أن يطلق على العراق قريبا (بلد ألأرامل) وأن ترشح منظمات دولية بلاد الذهب ألأسود والخيرات لتتصدر المركز الأول في نسبة ألأرامل والأيتام في العالم..!
ولا يخفى على احد أن الترمل يمتد إلى جميع نواحي الحياة الاجتماعية من فقر وعوز وتدهور اسري واجتماعي وأحيانا فساد أخلاقي، مما يعرض ألأسرة والأطفال للضياع، وليس هذا فقط بل انه بوجود هذا العدد الهائل من ألأرامل تظهر مشكلة جديدة تواجه العراق، ألا وهي قطع نسل وإبادة جماعية نتيجة توقف هذا العدد الكبير من ألأرامل عن لإنجاب، لذلك ينبغي على الدولة إيجاد حلول لهذه المشكلة، وعلى المجتمع تقبل فكرة زواج ألأرملة مرة أخرى إذا كانت في مقتبل العمر، إن وافقت هي على ذلك.
وعن سير الحياة اليومية والصعوبات التي يواجهن أجريتُ حوارا مع ثلاث من النساء الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن و هنّ في العشرينات من العمر، وضيفاتي هنّ: (م.س) عمرها 22 سنة، مترملة منذ عام بعد خمس سنوات زواج لديها 3 أطفال، استشهد زوجها بعبوة ناسفة. والثانية هي (أ.ح) عمرها 24 سنة، ترملت منذ عامين عقب زواج لمدة ثلاث سنوات، ليس لديها أطفال، استشهد زواجها في تفجير انتحاري.
أما الثالثة فهي (ن.خ) عمرها 23 سنة، مترملة منذ عام ونصف بعد زواج لسنتين فقط، لديها طفلة، استشهد زوجها (على الهوية)..!
* حول اللحظات ألأولى لسماع خبر وفاة أزواجهن، قلنّ:
ـ (أ.ح): لم يأتي خبر استشهاده يقينا، فقد تم إخبارنا بأنه مصاب وحزنت على إصابته في البداية، ولكن بمرور الوقت أحسست بأنه يوجد شيء آخر مخفي علينا، هل قد يكون استشهد؟ لا أنها مصيبة لو استشهد، ترجيت من الله أن لا يكون إحساسي صادقا، نذرتُ نفسي بدلاً عنه، ولكن ما هي إلاّ ساعات وانتهى الحلم الذي كنت أتمناه.. بينما الحقيقة هي إني كنتُ قد فقدتُ زوجي، وانهارت أحلامي وتحطمت، وأدركت إنني فقدت من كان حبيبي وزوجي ورفيقي وكل ما أملك.. لماذا اختارنا القدر نحن لهذه التجربة الصعبة؟ كان لنا أحلام وأمنيات خاصة بنا، أما ألان فقد أصبحت في حكم الذكريات، أعود لها فقط كلما اشتاق إليه.
ـ (ن.خ): لقد كانت لحظات انتظار قاسية وصعبة قبل أن اعلم مصير زوجي وأخي أيضا. كان زوجي عائدا من السفر لإكمال معاملته للهجرة من العراق وفي طريق عودتهم تعرضا للاختطاف من قبل جماعة مسلحة، وتم طلب فدية مقابل إطلاق سراحهم وعودتهم إلينا سالمين، وكان المبلغ ألمطلوب كبير جدا ونحن عائلة متوسطة الحال، فقام ألأهل والأصدقاء وأبناء المنطقة بمساعدتنا وفعلا تم تسليم المبلغ على أن يطلق سراحهم ويعودوا إلينا، وطال الانتظار ولم يعد أحد منهما، فذهب ألأهل و ألأصدقاء للبحث عنهم، وأثناء ذلك كنت أتساءل عن نتيجة البحث كل دقيقة وأدعو الله أن يبعد عنهم كل مكروه، وكنت أحاول أن استبعد ألأفكار السوداء لينتهي هذا الكابوس بسلام، وما هي إلاّ فترة قصيرة حتى امتنع الجميع عن ألإجابة على هاتفي وأحسست إنهم يتجنبون مواجهتي بموقف صعب، فاتصلت بوالدي ليخبرني حقيقة استشهادهما، جن جنوني، فقدت أعصابي كسرت وحطمت أي شيء وصلته يدي، من ممتلكات وأثاث المنزل، ومع ذلك قاومت الانهيار لعدة أيام، لكي أبكي حبيبي وأخي، ومن يستطيع تحمّل هذا الحزن؟ فقدت الوعي والقدرة على ألتركيز لأيام طويلة، وبعد تحسن حالتي الصحية جمعت أفكاري على حقيقة واحدة وهي إننا فقدناهم والى ألأبد.
ـ (ا.ح): بصراحة لم أحس بفرق كبير من الناحية الاجتماعية، فحياتي كانت محددة وأهلي كانوا متزمتين في معاملتي، كنت لا اخرج كثيرا من البيت، ونفس الحال أعيشه الآن، ولا أقوم بزيارة ألأقارب أو الجيران ولم اعد ارغب بذلك بعد فقدان زوجي، عندما كنت فتاة، كنت بلا حزن أما الآن فحياتي صعبة جدا فأنا أعيش بلا هدف بلا حبيب بلا طفل يملأ وحدتي وبلا مستقبل.. هذا هو وضعي وأنا أرملة.
ـ (ن.خ): عندما كنت فتاة كنت أفكر بسعادة بتكوين عائلة وكانت تربطني قصة حب جميلة مع زوجي، وزادت سعادتي عندما تكلل حبنا بالزواج وإنجاب طفلة، أما ألان فقد تغيّر كل شيء، وأصبحت أعيش بلا أمل بالمستقبل، فقط تفكيري وإحساسي لطفلتي حبيبتي، وأصبح لدي من الحزن ما يكفي على فقدان زوجي وأخي.
ـ (م.س): بصراحة ليس دائما ألأهل يكونوا عوناً لنا، قد يكونوا قيداً وقد يجرحونا بكلمات ويعتقدون إن ذلك من باب الحرص علينا، ولكن نحن أيضا بشر ولدينا إحساس، ولا يجوز أن تكون خسارة زوجي تعني أن استغني عن إنسانيتي وأن افقد أي طعم للحياة، أتمنى أن يعلم الأهل ذلك. أما بالنسبة للمجتمع فقد أصبحنا مقيدين بالعادات والتقاليد، وليس من السهل التعايش والعودة للحياة الطبيعة، ففي وضعي الجديد يجب أن لا أنسى إني أصبحت أرملة، لكي أحافظ على احترام المحيطين لي، وبالمقابل توجد أشياء ايجابية وهي المساعدة المالية التي تقدم لنا من الخيرين ومن الغرباء والأهل أيضا.
ـ (أ.ح): ألأهل في أحيانٍ كثيرة يساعدوننا وأحيانٍ أخرى قد يتصرفوا ضد رغباتنا، أنا مثلا أهلي يطلبون مني الالتحاق بهم وترك أهل زوجي وذلك كوني صغيرة السن وليس لي أطفال، ولكن هذا يكون عكس ما أفكر فيه، فليس من السهولة أن اترك حياتي الماضية وذكرياتي وأشياء حبيبي واجرح أهل زوجي واذهب للبدء بحياة جديدة، إن هذا صعب عليّ ولا استطيع عمل ذلك، أحيانا ألأهل لا يتفهموا مواقفنا وبصراحة لا اعلم من الذي تفكيره اصح؟ ـ (ن.خ): إن المرأة في مثل ظروفنا تكون بأمس الحاجة لأي سند لها ولا يوجد اقرب من أهلها وأهل زوجها للوقوف معها ومساندتها، فأنا مثلا أمي تحثني دائما على القبول بالواقع والمحافظة على ابنتي وحسن معاملة أهل زوجي، وأهل زوجي أيضا هم من يحافظ علينا ويدعموننا ماديا ومعنويا، أما بالنسبة للتقاليد والمجتمع اعتقد إنها قيود علينا، فهي تجعلنا نحاسب أنفسنا على ابسط ألأشياء وابسط التصرفات..
ـ (أ.ح) أجابت بحسرة (لأنها بدون أطفال): أنا ليس لي أطفال، وكنت أتمنى بظروفي هذه أن يكون لي طفل ليكون بمثابة قطعة من زوجي الراحل، وكنت سأعطيه كل حياتي وعمري، ولكن لم نرزق بطفل الذي قد يكون أجمل شيء بالوجود، وفي ظروفي هذه فان وجود طفل بجانبي سيسليني في وحدتي، ولكن هذه أمنية أخرى بعيدة المنال.
ـ (ن.خ) قالت بسعادة: احمد الله ألف مرة على وجود طفلتي بجانبي في هذه الظروف، إنها نعمة كبيرة من الله الجأ أليها عندما تضيق الدنيا بوجهي وعندما أتذكر حجم خسارتي بفقدان زوجي، فمسألة أن أنساه مستحيلة، لو أطبقت السماء على ألأرض، قد أنسى لحظة حزن عشتها لأجله ولكن لن أنسى لحظة حب أو فرح عشتها معه، ولكن ويبقى الطفل سعادة كبيرة في هذا الحزن العميق، إنها رحمة من السماء و ليست قيد أبداً.
ـ (أ.ح .): هذا يكون حسب رغبتهن، قسم منهن يفضلن الزواج والقسم ألآخر لا، أما أنا فا فضل العيش مع ذكرى زوجي على أن ابدأ حياة جديدة.
ـ (ن.خ): ذكرى الزوج أفضل إن كانت ألأرملة مخلصة لزوجها، هل تتوقعين أن ارتاح وأنا أم؟ كيف اترك طفلتي؟ كيف أواجه المجتمع بذلك؟ أكيد إنني أفضل أن اربي ابنتي واجعلها تحصل على شهادة جامعية مثل والدها، وهذا أفضل بكثير من أن أفكر بنفسي فقط.
ـ (أ.ح): أنا لا أتقبل هذه الفكرة، ولا استطيع أن أفكر بذلك، واشعر بالانزعاج من سماع خبر زواج أرملة بعد زوجها، لأنني أفضل أن أعيش مع ذكرى زوج أحبني، ولا أريد أن أجرب حظي ثانية، لقد كانت حياتي معه أجمل شيء ولا استطيع أن أغيّرها.
ـ (ن.خ): الذكريات وطفلتي أهم شيء في حياتي الآن، فقد تكون غرفة زوجي أو أي صورة شخصية له والتي لا أرضى أن أستبدلها بأي شيء في العالم، صحيح انه رحل، وأنا أيضا أريد أن ارحل إليه متى ما حانت ساعتي ومعي إحساسي ومشاعري له، أما طفلتي فقد كانت عزيزة عليه، فكيف اتركها؟ ولمن اتركها؟ إنها ما تبقى لي من ذكرى زوجي.
ـ (أ.ح): ليست مسألة من ألأصح، حيث الرجل لا يستغني عن بيته وأشياءه وأطفاله إذا ما تزوج، أما المرأة فتتجرد من كل شيء إذا فكرت بالزواج، إن المجتمع يفرّق بين الرجل والمرأة في هذا الجانب، المرأة دائما هي التي تضحي والمجتمع لا يرحمها أبدا.
ـ (ن.خ): يبقى الرجل يحتاج للمساعدة، أما المرأة فهي من تخدم نفسها بنفسها، وقلب المرأة اكبر من قلب الرجل الذي قد لا ينسى هو أيضا، ولكن يحتاج إلى زوجة ترعاه، وعليه قد يكون الرجل اصح.. لست متأكدة تماماً.
* وعن مشاهدتهن لعائلة مكونة من زوج وزوجة وأطفال وكيف يكون شعورهن، قلنّ:
ـ (أ.ح): كنت أتمنى أن أكون أنا أيضا مثلهم، وأن استمتع بزواجي وأنجب أطفال وأكوّن أسرة صغيرة، وليس أن تنتهي حياتنا بهذا الشكل.
ـ (ن.خ): مر أكثر من عام على وفاته، وأنا أحس انه سيعود، ولا أتقبل فكرة أن تكون نهايتنا بهذه الطريقة، كنت أتمنى أن أعيش كل عمري بلا أطفال على أن افقد زوجي.
ـ (أ.ح): أنا مرتاحة من تعامل أهل زوجي معي، وأيضا ليس لي مشكلة من الناحية ألاجتماعية، ولكن جرحي داخلي فهو يكمن في إحساسي وفي نفسيتي التي هي (تعبانة) جدا، ومعاناتي جسدية أيضا من ضغط أعصابي وحزني ألدائمي، خاصة عندما أعود للماضي وأفكر بالذي حدث ابكي كثيرا.
ـ (ن.خ): أصعب شيء حاليا وضعنا المادي، فأنا استلم راتبا شهريا قدره 90 ألف دينار، الذي يتلاشى بين ان يكون للعلاج أو للمعيشة أو لتربية ابنتي أو لإعادة جزء من أفضال ألأقارب والأصدقاء علينا الذين ساعدونا ماديا في محنتنا، وصحيح إن أهل زوجي يوفرون ما احتاج، ولكنهم أيضا لهم نفس ظروفي. ويا ليتني احصل على فرصة عمل لان العمل سيملأ جزء من وقت فراغي ويشغلني عن أحزاني من جهة، ومن جهة أخرى سأوفر بعض المتطلبات لي ولابنتي، فليس هناك ما يعيب عمل ألأرملة إذا كان لها ثقة بنفسها. ولي أيضا متاعب جسدية فقد أجريت لي عمليتان جراحيتان بعد الحادثة أما نفسيتي فهي (تعبانة) جدا وأحيانا افقد أعصابي لأبسط شيء.
ـ ( أ.ح): من المؤكد إن حياتي انتهت، هذا أولاً، وثانيا بدأتُ بالعيش والتأقلم مع وضعي الجديد، وأهل زوجي الذين أعزهم بمقدار معزتي لزوجي.
ـ ( ن.خ): من ناحيتي حياتي انتهت بشكل أكيد، ولكن ذكريات زوجي معي دائما، وأصبحت مسئولية تربية ابنتي وشرفي وسمعة زوجي اكبر من أي مسئولية أخرى.
قد نشعر بالأسى لقراءة الموضوع ولكن أن نقرأ شيء، وان نعيش ألأحداث والتفاصيل اليومية لهذه الظروف شيء آخر، إنها معاناة واحتياجات وحزن ليس لهم نهاية، ولكن كيف السبيل لتخفيف جزء من المعاناة وتوفير شيء من الاحتياج لهن؟
فحملة التضامن مع ألأرامل في العراق ترى ((إن التخصيصات ألمالية المقدمة من شبكة الرعاية الاجتماعية لهن لا تسد حاجتها الفعلية ولهذا تطالب بزيادة ألتخصيصات المالية الشهرية وتحسين أوضاعها المعيشية والوقوف إلى جانبها في حل المشاكل التي يعانون منها))، كما اقترح أن يكون للأرملة الحق في ألإعادة للوظيفة و أفضلية في التقديم للوظيفة أكثر من غيرها لظروفها الخاصة.
لكن المؤسف والظاهر للعيان، انه لا يوجد في العراق قوانين دستورية أو عشائرية لحماية المرأة ألأرملة أو التفكير بتحسين وضعها أو توفير خدمات اجتماعية لها و لأطفالها.
و لكن رغم هذه الظروف الصعبة، فقد توجد نساء يمتلكن أرادة حديدية استطعن في ظل هذه الظروف أن يسطرّن قصص رائعة، رغم قسوة الحياة، وان تعيش بظلها هي، لا أن تحتاج أن تعيش بظل رجل، ولم تجلس فريسة للاكتئاب، بل صممت على إكمال ألمشوار وتحمّل المسئولية، ومنهنّ من هي الآن قدوة في المجتمع.

التعليقات (0)