«شعب الثالثة فجرا من الخميس الثالث» لسليم بركات: شعبٌ سريره الليل

  غمكين مراد

حين تكون كلماتك صدىً أو (حتى جداراً) لكلمات أو (أمام كلماتٍ) كتبها آخر تريد أن تعيدها بروحٍ متجددة قابلة للتلون بألوان الأنفاس المختلفة الرئات والمدعمة بفتح الشيفرة الخاصة بها من قبل الفكرة المستنسخة من اختلاف متلقيها. لعل هذه الكتابة تكون صدىً ولأقل شيفرةً أخرى للأصل في ديوان سليم بركات: شعب الثالثة فجراً من الخميس الثالث. والذي دفعني إليها هو دهشة تلقيَّ للفكرة التي استوحيتها من فك طلاسم كلمات هذا الديوان، لذا سأقدم هذه الفكرة نثرا
قالباً الشعر سيرة لهذا الشعب كما اكتشفته، مستوحيا ذلك من التعامل مع إلياذة هوميروس.
العنوان هو خيانة للبطولة أو الأسطورة، وذلك لاختيار سليم الأوقات الشقيقة للموت المتمني دنيويا وأخريا في المفهوم الديني. وما أجده مدعمًا لفكرتي هو متن الديوان الذي يغدو متاهة من السبل أسوارها لغة تحيل المتاهة إلى فخ لا بد من المضي فيه واستنباط نهايته :” سيخونون ما لايخان كي يدوم العبث جليلاً في اقتسام الإرث الشمسي المحيّر وشقيقاته – كواكب الهزل الخنس “.
هذا الشعب ليس إلا خلفاء بايعوا أنفسهم بإرثٍ رباني بالوكالة في اقتناص ما يقتنص وانتثار العبث الذي يسبق القيامة بقليل.” بينهم وبين السماء سحب معطلة، وقت معطل لن يصلحه ملاك ساعاتي، أو نصر، أو نجدة حمى “
إن هؤلاء مكممي الأعين لا حد للوصف في لوحاتهم المستمدة من وراء السموات ، لا سبيل للخوض فيما يفعلون ، لقد أسِّروا بالمقدس و كل ما يفعلون هو وهج من مصير ٍ ينيره نورٌ موعودٍ كمأوى وذلك كله”…مذ حصنوا خنادقهم بمآزق الكلمات ” .
إن سليم بركات بلغته الغائرة على بحر الرمز يؤول الواقع الغامض أكثر غموضاً إلا أن الألم والفجيعة والنكران هي رعشة تترجمها العيون حين تكون لإنسان من هذا الواقع ، هي وخز لا داعي لأن ننضد القواميس أو المراجع لتهجئتها ، فقط هي بحاجة إلى شعورٍ وتماهٍ مع حظوة الإنساني في الإنسان حين يتألم غيره.
وسليم بركات كعادته يستخدم نباتاته كتمويهٍ عن خلفية المشار إليه في الوصف أو حتى في اللاوصف، تتعدد في هذا الديوان بتعدد الحيلة والفكرة والغاية أو الوقيعة إن رسمت” غشوا قليلاً في خيال الثمرة ِ المزّة ِ غش البلوط شجرته ” هولوا على ورع البقلةِ كي تعود مجدفة ً” أغروا الدراق السفـّاح بخصائص أخيه الجزر الحرسي ّ مقلِّداً النوّل الأعظم في يدي التوت ” .
إن ما يفعله سليم بركات في صنيعه حول شخصيات هذا الشعب نباتاً” الدراق السفاح، أرز القتل ولوزه، السمّاق الملحِّد آيات الذوق الأصل………..”، يؤرخ بامتياز لمذهب القتل والتكفير الذي ينعتون به سواهم ، فهذا الشعب يهيم على وجه البسيطة انتقاماً وتأملاً بنورٍ ينتظرهم وإن دفعوا ثمن ذلك أعمارهم: ” إن مضوا لا يرجعون . حمض أعمارهم حمض الخل نقياً ببراءة السفرجل ”  .
يعود سليم بركات إلى الطرف الآخر (الند) واقفا في وجه هذا الشعب الذي يأخذ من الثابت مقياساً للورع أو الصواب ” يتعذر تصديق النور ببدعته …. أن الأكوان رهان الكلمات على الكلمات الذاهلة، حمىّ نورٍ ألزم هذا العبث النوراني ببرهان الخدعة أن الغدر المأمون وسيط الله إلى ألإنسان ” .
يؤكد على الملكة الخاصة التي وهبها الله إلى خلفائه في الأرض (العقل) وسيلة ً لإثبات أنهم يستحقون هذه التسمية دون أن يخذلوها . لذا يحاولون أن يزيلوا الأقنعة عن الوجوه هذه الأقنعة التي يستنكرونها منذ إن ولدوا عقلاء” منذ أجيز الإنسان قناعاً، شُرِّع قناعاً، شُرِّع قناعاً بالملكات الماء قناعاً. يتعذر تصديق هذا البرهان ” .
ثم يعود إلى شعب الثالثة شعب الليل الذي يختار من وقت السبات العميق وقتاً يرفع فيه راية نصره على الحياة المنبثق من الضعف في المواجهة، هذا الشعب الذي يُقلـِّد المنطق وسام القداسة المنحوت بفكره الجاهز وتكفير كلّ ما عداه: ”
لكن أولاء،
بالمنطق في تحريف السمّاق الملحد آيات الذوق الأصل، وتلفيق الكزبرة البرية أخبار الخلق نظاماً أهواء في أهواء ” .
أخذين  بالصفقات مكممة ً بنور الآخرة ،دليلهم الخوف المقنع بالخلاص” وأجابوا النور المُخلِصَ مأموراً بالصفقات على أدراج الله ،المكفوف شقياً يقرع بعصا الإرث نوافذ دلاليه. أجيز النورُ قناعاً- نوراً كخلاص “.
إن ما كتبه سليم في هذا الديوان بحبر الغموض، جعلني أنحت فكرتي من خيال كلماته ، وتبقى مجرد إيحاء من كاتب إلى متلقٍ يسبر أغوار العمق في روح الكلمة وما بعدها وحولها ، متحولة ً غير ثابتة ، صائبة ً تكون أو خاطئة إلا أنها تبقى لوعة ً تضفيها كلمات سليم الروائية والشعرية على حدٍّ سواء . 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تلقى موقع “ولاتي مه” فيلما قصيرا بعنوان “الكرسي” للمخرج والفنان الكوردي أكرم سيتي، الذي يسعى من خلال هذا العمل إلى تقديم تجربة إنسانية عميقة بأسلوب بصري بسيط ومؤثر.

الفيلم، وهو عمل صامت، لا يعتمد على الحوار المباشر، بل يترك للصورة والإحساس مهمة إيصال رسالته، في محاولة للوصول إلى وجدان المشاهد بعيدا عن الخطابات التقليدية….

عبد الجابر حبيب

 

“أن تروي غزال الأرضَ بدمها ذروةُ كرامةٍ، أمّا حجبُ صلاةِ الجنازة عنها، فسقوطٌ في النذالة”

 

في العتمةِ…

تآكلَ الضوءُ ببطءٍ يا غزالُ

وتدلّتِ الروحُ من حافّةِ الصبر،

غصناً يابساً لا ماءَ فيه

لا يداً تمتدّ إليه،

جدرانٌ صامتة،

تُصغي طويلاً…

وتنحني الخطى على حافّةِ الانكسار.

 

آهٍ وألفُ آهٍ يا غزالُ

هناكَ…

انفجرَ الجسدُ

حين هبطتِ النارُ…

حين انحنى الترابُ على الوجع،

حين تُركَ معلّقاً بين الأنفاسٍ

حين أُغلِقَتِ…

صبحي دقوري

 

ليس رولان بارت ناقدًا أدبيًا بالمعنى المدرسي المألوف، ولا هو فيلسوفًا بالمعنى النسقيّ الصارم، بل هو كائنٌ فكريٌّ وُلِد عند ملتقى اللغة والرغبة والرمز والتأويل. وُلد في شيربورغ سنة 1915، ورحل في باريس سنة 1980، وترك وراءه أثرًا لم يقتصر على النقد الأدبي، بل امتد إلى السيميولوجيا، وتحليل الثقافة، ونظرية الصورة، وطرائق القراءة الحديثة…

عبداللطيف سليمان

يا زهرة ً تَسامَت ْ في رُبا المَجد ِ قامة ً
أميرة ً في المُروءة ِ والتَضحية ِ و الجَمَال ِ
غَزالة ً في جبال ِ كُردستان َ أبيَّة ً
تُطاردين َ صُنوف َ الضّيم ِ و الاذلال ِ
بيشمركة ً على خُطا القاضي و…