نسمات عطر وعتاب صغير على الفنان شفان برور

  سيامند إبراهيم

يعتبر الفن من أولويات حياتنا الروحية فهو الباعث, والمحرك القوي, لخلايا إحساسنا بالحياة الجميلة التي يضفي عليها الفن والغناء رونقاً خاصاً ومزوداً لقلوبنا العطشى بشحنات دافئة تهدئ أعصابنا, وتجعلنا نبحث أكثر عن أصوات غنائية, لا يغادر تاريح ذاكرتنا ويبقى إلى جانب أفئدتنا يمدنا بالمزيد من المرور إلى سلم أولوياتنا واهتمامنا, وينسينا مرارة الواقع الأليم الذي نعيشه, هذه العوامل كلها تبحث عن الصوت الغنائي النقي والعذب الذي يثلج صدورنا ويجعلنا سكارى نشرب من دن إبداعاته “كؤوس الطلا” فهل منا من لا يعرف الفنان شفان برور, أسطورة الفن الكردي الأصيل, وهو الفنان الذي كان له الوقع الأكبر في إيقاظ الشعور القومي لدى الشعب الكردي, الذي شكل جبهة وأقام بصوته “ثورة اجتماعية”، كما قالها لي :” أنا هوميروس الأكراد” (1)
إنه سفير الأغنية الكردية إلى العالم, نعم إنه سفير الابداع الكردي الأصيل لما كان له من دور فعال كالساحر الذي يجعل الجمهور يرقص فرحاً, وألماً وثورة فنية رفعت من مستوى الأغنية الكردية, حيث دخلت أغانيه إلى كل بيت كردي, وبيعت كاسيتا ته الأصلية والمزيفة المسروقة بالملايين.
وأنا اليوم أكتب هذه السطور المتواضعة في حق فنان كردي عظيم, وأنحني وأقف باحترام شديد لكل فنان أبدع, وقدم عصارة ورحيق قلبه وصوته في سبيل إسعاد الشعب, وهز وجدانه باللحن الجميل والأصيل, هؤلاء الفنانون الذين عاشوا في ظروف صعبة من كل النواحي.
لكن شفان سيبقى قامة عالية في تاريخ الغناء الكردي, شفان صوت متفرد في تاريخ الغناء الشرقي والكردي تحديداً, وإذ نقول هذا الكلام فإننا لاننكر الدور الكبير لكثير من الفنانين الكبار الذين تركوا بصماتهم في مسيرة الغناء الكردي, وثمة آخرون بدأوا مسيرة الابداع وظهور خامات جميلة سكنوا قلوب الجماهير منذ الوهلة الأولى من ظهورهم  وهم أيضاً موضع اعتزازنا بهم وبفنهم الرقيق, المعبر, والمؤثر الذي كان لهم كل الشكر والاحترام.
 ولابد في هذه العجالة من تبيان شذرات في مسيرة هذا الفنان وخاصة في مقابلاته الصحافية لمختلف المجلات والمواقع الالكترونية وخاصة من جانب الأخوة الذين يوجهون الأسئلة له, فعليهم أولاً الرجوع إلى المقابلات السابقة التي أجريت معه, والخروج من الأسئلة المكررة, وبعض الأسئلة الساذجة التي تنم عن بعض الخصوصية وهي عدم استغلال الفنان لمدح هذا الحزب أو ذاك, فالحزب لا يكبر, ولا يصغر في مديح فنان أو كاتب أو سياسي كبير, مسيرة الحزب النضالية وتضحياته, وهذا عتاب صغير لمجلة (شاندار) التي تصدر في أربيل,(2) والشيء المحرج الثاني هو المديح المجاني للفنان شفان في حق حزب أقدر مسيرته ومسيرة الحركة الكردية السورية كلها في مسيرته بسلبياتها وإيجابياتها, وهذا ليس نقص أو ذم في مسيرة أي حزب كردي, كبر أم صغر, هذه من ناحية المجلة, لكن أستغرب من الأخ والفنان القدير شفان كيف يقول أشياء, ويصرح ببعض الكلمات التي تبتعد عن الحقيقة, فعندما سأله المحاور: عن اسمه الحقيقي وهذا نص السؤال:  كاك شفان برور هل هو اسمك الحقيقي أم انه لقب وما هو اسمك الحقيقي ومكان الولادة؟ (1)
-اسمي شفان برور هذا اسمي الحقيقي , والدي الذي أسماني به وليس لي أي لقب, عشت في منطقة بين ثلاث نواحي (رحة وعنتاب وأورفا) ولكن محل إقامتي كانت في أورفا, بعد ما كنت في قرية (هسكال) التابعة لمنطقة (مديات) ومنها هاجرت عائلتي إلى أورفا. ولي ولد  واحد اسمه سرخبون, مقيم في أوربا حالياً.
والصحيح يا فنانا الكبير: الاسم الحقيقي هو اسماعيل, وشفان هو لقبه الفني كما هي في غالبية الأسماء الفنية للشعراء والفنانين الأكراد وبعض العرب, فاسم الفنانة الكبيرة فيروز, هي (نهاد حداد, وصباح فخري هو صباح القوس, وصباح, وسميرة توفيق, وأدونيس الشاعر الكبير علي سعيد, والشاعر جكرخوين – شيخموس, وتيريز- نايف, والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات هو عبد القادر قدوة, وأغلب أسماؤنا الأدبية تختلف عن الأسماء الحقيقة لشتى الأسباب.
أما بالنسبة لمواليده فهو من مواليد قرية (سوري) Sorî)) وهي ليس هسكال كما قال لي: وكما رواها في المقابلة التي أجريتها معه في خريف 1997 في بيروت في صالون فندق الكارلتون ببيروت, وقد أجريت معه المقابلة باللغة الكردية وقد صدر في كتيب صغير وهو مترجم إلى اللغة العربية من قبل صديقي الصحفي إبراهيم إبراهيم المقيم في الدانمرك, و لا يزال الكتيب, والكاسيت في حوزتي وبصوته الجميل, و لا أدري إن كانت هي من أخطاء الذي أجرى المقابلة أم أن شفان نسي اسم قريته, وقال وأنا من عشيرة شيخان ملاني إبراهيم باشا.
لكن الخبر الأجمل هو ما “قررته بلدية سويرك التابعة لمدينة الرها من إقامة تمثال له في مركز المدينة, وبحسب بيان مكتوب هذا وقد شرع النحات أبزور جالشمان في البدء بهذا التمثال والذي على الأغلب سينتهي بعد شهرين من الآن من قبل (أبزور جالشمان) Abuzer Çalışman)), واعتبرت بلدية سويرك بأن شفان برور هو أحد مواطنيها”( 3)
وأخيراً هذا وفاء بسيط من هذه البلدية العريقة والتي كانت السباقة في تكريم هذا الفنان الذي صال وجال وأطرب وغنى للملايين من المقهورين المقموعين الأكراد, وقد كانت أغانيه بمثابة البلسم الشافي لتضميد جراحاتهم فلا تجرحهم يا فناننا الكبير ولا تنكر أصولك بأنك منهم.

————-

1  حوار من القلب مع شفان – حوار باللغة الكردية سيامند إبراهيم – ترجمة إبراهيم إبراهيم
2000 طبعة خاصة بيروت  – لبنان
2 – حوار مع الدكتور وسفير الموسيقى الكوردية المناضل شفان برور عن جريدة شاندر – العدد (9) التي تصدرها منظمة هولير للبارتي الديمقراطي الكوردي – سوريا
والمقابلة منشورة أيضاً وفي موقع (ولاتي مه) الالكتروني القسم الثقافي في الشهر الجاري
3- د . دارا موقع آفستا الالكتروني 23 آب 2009.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مصطفى عبدالملك الصميدي/اليمن*

تُعدّ ترجمةُ الشَّعر رحلة مُتفَرِّدة تُشبه كثيراً محاولة الإمساك بالنسيم قبل أن يختفي سليلهُ بين فروج الأصابع، بل وأكثر من أن تكون رسماً خَرائِطياً لألوانٍ لا تُرى بين نَدأَةِ الشروق وشفق الغروب، وما يتشكل من خلال المسافة بينهما، هو ما نسميه بحياكة الظلال؛ أي برسم لوحة المعاني الكامنه وراء النص بقالبه…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تَتميَّز الرُّوحَانِيَّةُ عِندَ الكاتب اللبناني الأمريكي جُبْرَان خَليل جُبْرَان ( 1883_ 1931 ) بِعُمْقِها الفَلسفيِّ، وقُدرتِها عَلى تَجاوزِ الماديَّاتِ ، والتَّعبيرِ عَن الحَنينِ إلى مَا هُوَ أسْمَى وأرْقَى في النَّفْسِ البشرية . وَهُوَ يَرى أنَّ الرُّوحَانِيَّة لَيْسَتْ مُجرَّد شُعورٍ أوْ طُقوسٍ تقليدية ، بَلْ هِيَ حالةُ وَعْيٍ مُتكاملة…

ابراهيم البليهي

من أبرز الشواهد على إخفاق التعليم الذي لا يقوم على التفاعل الجياش عجزُ الدارسين عن اكتساب السليقة النحوية للغة العربية فالطلاب يحفظون القاعدة والمثال فينجحون في الامتحان لكنهم يبقون عاجزين عن إتقان التحدث أو القراءة من دون لحن إن هذا الخلل ليس خاصا باللغة بل يشمل كل المواد فالمعلومات تختلف نوعيا عن الممارسة…

خلات عمر

لم يكن الطفل قد فهم بعد معنى الانفصال، ولا يدرك لماذا غابت أمّه فجأة عن البيت الذي كان يمتلئ بحنانها. خمس سنوات فقط، عمر صغير لا يسع حجم الفقد، لكن قلبه كان واسعًا بما يكفي ليحمل حبًّا لا يشبه حبًّا آخر.

بعد سنواتٍ من الظلم والقسوة، وبعد أن ضاقت الأم ذرعًا بتصرفات الأب…