صلاح برواري: قلب يخفق في (وطن)

إبراهيم يوسف
elyousef@gmail.com

مراتٍ عديدة، كنت أهمُّ فيها بالكتابة عن الصديق الصحفي المبدع، والكاتب والمترجم، والإنسان، صلاح برواري، أقف على جوانب من أعماله في مجال الأدب، أو على جوانب محددة من شخصه، بيد أن الانخراط في لجّة المشاغل اليومية، التي لا حصر، ولا نهاية لها، كان يثنيني-بأسف- في كل مرة، عن ذلك وسواه، مما أخطط له-على الدوام- ويزخر به دفتر خططي الخمسية، والعشرية، دون جدوى.
ولعلّ الخبر السريع الذي قرأته أمس في بعض وسائل الإعلام الإلكتروني، حول المرض المفاجىء الذي تعرض له الصديق الجميل صلاح برواري، هزّني ألماً من الأعماق، بحق، وجعلني أتصرّف بهستريا، أهرع إلى الهاتف، لأحاول الاتصال بهذا الصديق على رقمي منزله ومحموله، إلى بعض من الوقت، كي أطمئن عليه،  دون أن أفلح، وكذلك لألجأ إلى أرقام بعض الأصدقاء، المشتركين، بيننا، فأرى أن كثيرين منهم، لما يسمع بعد، بنبأ ما تعرض له أبو آلان، إلى أن أسمع، رنين استجابة هاتف هذا الصديق، فجاءة، بعد إلحاح مني، لأظفر بسماع صوته، أسلم عليه، وأختصر الحديث، لأسأله عن صحته فوراً، وكأن صوته الواثق الذي لم يتغير، كاد يكذب النبأ لولا أنه بات يقول: أجل، لقد تعرضت لمرض عضال، وقدأكدت التحاليل وجود سرطان في معدتي وهو ناجم عن التوتر والغضب اللذين مررت بهما، وأنا في كوردستان….، وإنه سيخضع لعمل جراحي، سريع، في يوم السبت، المقبل، أي بعد يومين، فحسب..!.

كان الصديق أبو آلان، يتحدث بسلاسة، وثقة بالنفس، وكأنه في ندوة ما، أو كأنه في جلسة عادية، هادئة، وإن من يتحدث عنه، هو شخص آخر، غريب، لاعلاقة له به، يتحدث عنه بحيادية، مواصلاً الحديث عن تشخيص مرضه، بدقة، من قبل أحد الأطباء الثقاة-وإنه لابد من استئصال معدته، كاملة- وهو ما أزاد من استفزازي، وألمي، وكان الصديق أبو آلان يسترسل في التوصيف الصاعق لما حل به، ما دعاني لأضبط نفسي كثيراً،في هذا المقام، أتركه، هكذا، بروحه العالية، يواجه هذه الأزمة الصحية التي تعرض لها، كشخص ثالث، ونأمل أن يتم اجتيازها، ويتماثل للشفاء العاجل، كي يواصل مشروعه الثقافي، الذي لم يتخل عنه –يوماً- وهو “البيشمركة” في الجبال، والسياسي في الاجتماع الحزبي، والمحدث الرزين في المجالس،  والأب الناجح في بيته، والموظف الملتزم في عمله، وقبل كل شيء، الرجل المخلص لأصدقائه، فلا يزال صوته يتصادى وهو يردّ على افتراءات أحد أقزام المجالس الهشة، يفند مزاعمه، وافتراءاته، حين يريد النيل، كاذباً، من أحد المثقفين، مادام مقتنعاً به، وأنا هنا بصدد الدفاع عن رأيه، كمثقف، حاضر الصوت، تاركاً للرجل فسحة قناعاته، الخاصة، كما كان يتخيرها، إلا إنه الوطني على الدوام، الأمين ، المخلص لمن حوله، المخلص، للأصدقاء، والمدن، ومن بينها” دمشق” العنوان الذي لم يتخل عنه، رغم سقوط دكتاتور العراق، وتمتّع الكرد بالديمقراطية، بعد كل ما تعرضوا له، من محنة إلغاء الوجود، شكلتها مفردات رهيبة، هائلة، لازالت تظهر بأشكال عديدة، وظلّ وفياً لوطنه الثاني، الذي احتضن الكثير من إبداعاته، تأليفاً، وترجمة.  
حقيقة، صلاح برواري، سيرة وإبداعاً أحد أهم المثقفين الكرد، حضوراً، منذ كتاباته الأولى، وتجربة كه ل“، التي رئس تحريرها لسبع سنوات، و تشكل علامة مهمة في المسيرة الإعلامية الثقافية الكردية، وحتى آخر كتاباته التي تفوح منها رائحة الالتزام بقدسية الكلمة، ودورها، ولعلّ أكبر شاهد على ذلك أنه- وهو الواثق من إمكاناته العالية باللغة العربية التي يكتب بها، إلى جانب لغته الأم، وكأنه مختص بها- يقطع أي مقال، أو نص يترجمه، وهو يتصل هاتفياً، ليتأكد من سلامة عبارة، أو مفردة، لغوياً، بل ويورد المترادفات،لهذه المفردة أوتلك،  ولقد أذهلني ذات مرة، وهو يتابع لمدة تقارب الأسبوع من الوقت، بل أكثر، لمعرفة  أية كلمة  أدق، وأقرب، تجسد الاسم الفصيح التام لتسمية” كسار الزبادي” كما يقولها أبناء الشام، أو”دولاب الهوى”، أو الهواء، بحسب البغداديين، وهي “سن الأسد” معجمياً، التي تتطاير في الهواء، وهي الأقرب لزغب الهندباء، الهشيمي، ويقال عنها كردياً” إنها تصل أعلى القصور والبروج، فلا ينغلق دونها باب” يركض خلفها الأطفال، كي تذوب بين أيديهم.
لقد تنوعت كتابات الصديق صلاح برواري، وتوزعت بين ترجمة الأدب، فترجم للشعراء شيركو بيكس و فرهاد عجمو وكزال أحمد (وقال لي عنه الصديق شيركو بيكس ذات مرة: إنه من أفضل من ترجموا لي، من الكردية إلى العربية، وكان ديوان ملك الكلمات، إحدى المجموعات الشعرية التي تكاد تقول بأن صاحبها كتبها باللغة العربية، أولاً، لا بالكردية السورانية، الأم) وبين التأليف، والمقال الصحفي، والبحث، ولعل آخر ما طبع له هو كتاب عن الرئيس جلال طلباني، لعله اعتبره الجزء الأول،فحسب،كما قال لي ، وهو السادس ترتيباً بين كتبه المطبوعة حتى الآن.
صلاح برواري، تجرّع الكثير من الألم في حياته، ولقد كنت والكاتب عبدالباقي حسيني في ثمانينيات القرن الماضي بعض الشهود المقربين منه، وما زالت عبارة للزميلة الكاتبة لمعان إبراهيم -أم آلان- ترن في أذني- وهي تصف حال الأسرة في تلك المرحلة، التي يبدو أن هناك من أراد أن تظلّ الآن كما هي، وهو صاحب اليد والقلب النظيفين، ولعل الأسابيع الماضية التي مرّ بها كانت –محنة صعبة- تعرض لها على أيدي بعض الحاقدين عليه، إنساناً، ومناضلاً، ومبدعاً، وكانت امتداداً لقلق السنوات الصعبة، المشارإليها.
لقد قال لي: إنه أرسل مقالاً له لأحد المنابر التي وعد بالنشر فيها، قائلاً في كلمات رافقت المقال” راجياً ألا يكون مقالي هو الأخير”، وحري بكاتب فذّ مثل صلاح برواري، أن تتهيأ له كافة أسباب الراحة، و مناخات الكتابة، كي ينجز ما بين يديه من مشروعات ثقافية مهمة، طالما حدثنا عنها منذ ما يقارب ربع القرن من الزمان، وهو الذي عاد إلى بطون أمات الكتب، بروح باحث مائز، وما مقاله الأخير عن الرسائل المتبادلة بين محمد كرد علي وفارس الخوري والمعنونة ب” رسالة ظريفة بين محمد كُرد علي وفارس الخوري، إلا أنموذج عن أصالة روح الباحث الأديب، المحترف، فيه، الأديب المشتغل على ما يكتبه، بروح مسؤولية ، عالية، وفيه  ما يدعو لإنصاف الكاتب كرد علي، في مواجهة ما سجل عليه من قبل كتابنا .
صلاح برواري، المناضل، والكاتب، والإنسان، ليس بأيدينا-  نحن من نعتبر أنفسنا من أصدقائك ومحبيك-  إلا أن نبتهل إلى الله تعالى، لتعود إلى أسرتك، وإلينا، وإلى ذويك ومحبيك، أجمعين ، معافى، سالماً، تواصل إنجاز ما ركنته لروزنامة الوقت، كي تنفض الغبار عن تلك المشروعات الجميلة، وتقول على عادتك: ها نحن..!، وأنت الذي طالما رددت تلك العبارة، وكنت على قدر كبير، من الثقافة يؤهلك أن تكون سفير ذويك، المخلص، والشفاف، غير المساوم، وغير الممالق، الذي لا يزال يهرول على دروب الحياة من أجل لقمته التي يجب أن تهيأ له، وهو الذي نذر روحه من أجل رسالته، وإن الاعتناء به الآن –في هذه اللحظة- مسؤولية كل من حوله، دون استثناء، وليس هناك-البتة- من هو معفي من ذلك، كل على قدر إمكاناته.
ملاحظة:
تجري العملية الجراحية للكاتب صلاح برواري بعد ظهر يوم غد السبت 22أيار2010 في المشفى الطبي الجراحي-دمشق -شارع بغداد –قرب جامع لالا مصطفى باشا- السبع بحرات

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف الحسينيّ

أنا أحمدُ الأعمى أرى الجميعَ و لا أُرَى.
أُطفيءُ الأنوارَ لأقرأَ في كتابٍ صغيرٍ وأدوّنَ في هوامشِه أسماءَ مَنْ أَمسوا قبلي ، أسيرُ ليلاً وألتقطُ الحَبَّ للعصافير، وأبناءُ السبيل يهتدون بي.
أنا أحمدُ الأعمى …أسافرُ وحدي في العواصم وأدلُّ المسافرين إلى طريقِهم حينَ يضلّونه.
يا أحمد الأعمى: هكذا يناديني الصّبيةُ في أزقةِ حاراتِنا…أعرفُهم واحداً..واحداً، وكانَ بينَهم صبيٌّ اسمُه…

خورشيد عليوي

لم أصدق
أن البحر أصبح أبعد،
وأن الطريق إلى قريتك،
أطول من قدري على العودة.
أتذكر قريتك على البحر،
رائحة الملح في المساء،
والضحك الذي كان يملأ البيت.
كنا نظن،
أن القصائد تؤجل الحزن،
وأن الكأس صديق عابر،
لا باباً إلى الغياب.
الآن أفهم،
أن الشعراء يعيشون أسرع من الآخرين،
كأنهم يخشون أن تضيع القصيدة إذا أبطؤوا.
كم مرة جلسنا هناك،
حيث يضع المساء رأسه على كتف البحر.
وكنا نظن،
أن…

تقدّم مجموعة “ناشرون فلسطينيون” مراجعات نقدية لمنجز الكاتب الفلسطيني فراس حج محمد، نظرا لما يشكله هذا المنجز من خروج عن سياق المعتاد في الثقافة الفلسطينية، مما يجعله صوتا متفردا، ومنفرداً، في تناوله لموضوعات البحث أو طريقة التناول، ومن هذه المراجعات ما كتبه مؤخرا حول علاقة محمود درويش بالفتاة اليهودية ريتا التي عاشت إلى ما بعد…

شيرين خليل خطيب

أردتُ كتابةَ مقالٍ مطول عن هذا المشهد، لكنني ارتأيتُ أن يتحدث المشهد عن نفسه لما فيه من استيفاءٍ واكتفاءٍ للشرح لمعاناة حيواتٍ بأكملها… حيواتٍ لا تستطيعُ البوح وليس بإمكانها الشرحُ….

عندما قال الممثل العالمي دينزل واشنطن بعصبية وألم لزوجته فيولا ديفيس…