«مَمْ و 62»

محمود بيكاس
طبيعةٌ نائية بمعناها الحرفي. بلدةٌ رابضة على الرمال ، حيث لا مياه ولا أشجار ، وكل مواسمها هي الحر والبرد. خزينة الأهل مليئة بالحكايات والأساطير، بدءاً من “سنة الخير” وصولاً لسنة “الصقيع العظيم” تقول الحكاية بأن النهر العظيم الذي ذُكرَ في كتاب الله قد تجمد. بلدة تفتقر إلى كل شيء بإستثناء ملامح الأشباح التي تمشي فيها. لا تطلّ على أية جهة سوى السماء . في الشتاء تزورها أحياناً قوافل الغيوم بخجل، كوصية الفقير لا يملك ما يورثه للآخرين. الزمن في تقويمها هو الليل والنهار ، الصيف والشتاء.
فتحتُ عيناي في هذه اللامكان في سنة البؤس، يوم الأربعين لوفاة أحد الأولين. إحتاروا في منحي اسماً، الداية لها أخ وإبن بنفس الاسم وأعطتني ذلك الاسم أيضاً. بالنسبة للأهل إعتبروه بركة و كَـ رد للجميل، وهم منحوني اسمهم كعربون محبة للعائلة.
وبين فترة وأخرى تزورنا قوافل الغيوم . بدأت أكبر والاسم يشاركني كل شيء، حتى وصل بي الأمر بأني أعتبرت نفسي جزءاً منه. وأحياناً أتخيل ماذا أفعل لأجعله مشهوراً في هذا الوجود. 
إلا إن للقدر رأيٌ آخر ! فاسمي لا ينتهي بإسم العائلة كما اسماء الآخرين بحكم العادة. عندما نضجت حواسي إنتقلنا من ذلك المكان إلى بلدة أخرى يمر بقربها طرقاتٌ تسير عليها مواكب من السيارات والباصات، هذه الطرقات كانت تضيع معظمها في المدن وبعضها تضيع في القرى والحقول. البلدة الجديدة لها أربعة جهات والسماء، سماؤها مسكونة بأصوات على طول الشتاء. أخذنا بيتاً بالقرب من المدرسة لا أعلم لماذا ذلك البيت تحديداً، بكل بساطة هذه الأمور خارج حساباتي، فكل ما هو مطلوب مني ان أغتسل مرة في الاسبوع وفي معظم أوقات الغسيل كنت أتخذ من بيت الأقران ملجاً إلى أن تتعب الوالدة في البحث عني، لكن الطريدة لابد ان تقع في الفخ “المصيدة” عندما يشتد عليها الجوع والعطش، ويتم محاصرتي في المطبخ مُتلبساً وانا أُجاهد لأُفرغ ما في الطنجرة الى المعدة.
ويأتي دور الوالدة في تجريدي من الزي الرسمي الذي هو عبارة عن كنزة وبيجاما لكي لا أشكل فرار “بمعنى العسكري”. وبعدها آخذ حصتي من الضرب بالصابون الغار وأنا مقرفص في “الطشت” وعيناي مملؤة بالصابون، البكاء والدموع واللعاب ، لحظات تمتزج بالألم. هذا الحمام هو بالنسبة للطفولة كَ طقس إحتفالي لابد أن يحصل في كل أسبوع.
إلا إنه في هذه البلدة توجد مياه للزراعة ، في بعض الأحيان كنا نقصد أحواض المياه المخصصة للزراعة للإغتسال. الطفولة عالم من الفوضى اللذيذة.
عندما حان موعد بداية العام الدراسي لأدخل المدرسة ؛ كانت هناك إشكالية كبيرة ، لكني لم أكن أعرف ماهية تلك الإشكالية ، أدخلوني المدرسة باسمي اما اسم العائلة “الكنية” فقد أرفقوا بإسمي اسم الجد “محمود …..”. هكذا ظننت بان اسمي أصبح في سجلات الدولة على اعتبار المدرسة مؤسسة تابعة لوازرة التربية والوزارة جزء من جهاز الحكومي، لكن في الحقيقة لم يكن كذلك. في عامي الثالث من وجودي في المدرسة طلب مني الوالد ان استفسر لتسجيل اخ لي يصغرني بسنوات، لا أعلم كيف كانت حساباتي وقتها، لكن كنت أعلم بأن أخي اسمه ليس عربياً ، لذا كنت أعتقد بأنه لا يمكن ان يكتب أسماً كوردياً بالأحرف العربية “سذاجة طفولة”. وأخبرت المدير بالموضوع التسجيل، إلا إني أخترت اسماً آخر لأخي، قلت في نفسي عله يُكتب بالاحرف العربية.
كثيراً ما قرأت مذكرات السجناء وحزنت لاحزانهم وتألمت لعذابهم، وفي الكثير من الاحيان بكيت لأجلهم. إلا إنني عندما أتذكر الطفولة ، أتذكر تلك العذابات. أيام المدرسة ، سنوات الرعب، إلى الآن لا تستهويني اللغة العربية ولم أُتقنها بعد! لأن المُدّرس كان بهيئة ضابط مخابرات، أسلوبه كان عنيفاً جداً، قد أكون مجحفاً بحقه إذا قلت عنه بإنه كان مجرماً ونحن ما نزال أطفال نفتح أعيننا تحت سياطهم. جُل همنا أن نحفظ الكلمات لنتفادى العقاب.
وفي السنوات التالية اخذت أستعين بأسم الاخير لاسماء ابناء عمي عوضاً عن اسم جدي وهكذا انتقل اسمي من “محمود …..” الى محمود آخر لعائلة اخرى. وكلما تقدمت بي السنوات ونضجت حواسي ادركت عدم الانتماء الى هذا المكان، كالبلدة الاولى التي لا طريق إليها سوى السماء. وانا لا طريق إلي سوى هذه الحروف الخمسة ، تكرمت بها الدايا على طفلٍ ولدَ في عام البؤس والشقاء عام 62.
 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي…

عبد الستار نورعلي

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

 

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

 

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

* *

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

 

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في…

ماهين شيخاني

 

استيقظتُ متأخراً على غير عادتي، حلقي جاف كأنه ابتلع حفنة من التراب، وشيءٌ ما يشبه الطعم الحديدي يتخمر في فمي. على الطاولة، بيضة مسلوقة وخبز يابس وكوب شاي بارد. عضضتُ الخبز، فتحوّل بين أسناني إلى رماد، كأن أحدهم عبأً جوفي برماد موتى محترقين.

ظللت ألوك الرماد بصمت. لا طيور في الخارج، لا صوت…

عِصْمَتْ شَاهِينِ الدُّوسْكِي

 

كَفَى كُفْرًا

شَرِبْتُمْ مَاءَ الْمِسْاكِينِ

وَأَكَلْتُمْ حَقَّ الْيَتَامَى

كَفَى كُفْرًا

اسْتَبَحْتُمْ أَعْرَاضَ النَّاسِ

فِي ظُلْمِكُمْ سُكَارَى

لَا أَرْمَلَةٌ بَرِئَتْ

وَلَا صَبِيَّةٌ لَاذَتْ

لَمْ تَسْمَعُوا صَرْخَةَ الثَّكْلَى

تَوَضَّأْتُمْ بِدِمَاءِ الْفُقَرَاءِ

قَتَلْتُمْ عَلَى الْهُوِيَّةِ

مَنْ كَانُوا حَيَارَى

ثُمَّ سَافَرْتُمْ لِلْكَعْبَةِ

كَأَنَّكُمْ مَلَائِكَةٌ

تَرْجُمُونَ شَيْطَانًا

تَبَرَّأَ مِنْكُمْ مِرَارًا

……….

كَفَى كُفْرًا

تَمْسَحُونَ أَحْذِيَةَ الطُّغَاةِ

تَأْكُلُونَ فُتَاتَ الْمُعَانَاةِ

تَخْسَرُونَ كُلَّ شَيْءٍ

حَتَّى الشَّرَفَ تَحْتَ النِّعَالِ كَالسُّبَاتِ

كَفَى كُفْرًا

احْتَرَقَتْ أمَاكِن عَلَى رُؤوسِ المُنَاجَاة

دُمٍرَتْ بِلادٌ فَوَقَ بِلادِ اللا مُبَالَاة

اسْتَسْلَمَتْ…