إنها مجرد قصة شجرة..

المحامي محمود عمر
آلمني جدا ذاك الطلب الغريب من مدرس التربية الدينية وهو يتعرف علينا في الحصة الأولى من العام الدراسي الاستاذ الفاضل (عبد الرزاق جنكو) فما أن أخبرته بأنني من قرية تدعى (علي بدران) حتى قال من فوره: بني أما زال أولئك البسطاء يحلفون بتلك الشجرة (دارى علي بدرانى) وحين أجبت بنعم ، قال: بني ألا تستطيع أن تقطع  هذه الشجرة حتى يتخلص الناس من ذنب هذا القسم، أدرك شدة غضبي حين أجبته أستاذ: أن نترك الناس على بساطتهم خير من أن نستحدث فيهم أشياء قد تضلهم أكثر، حاول أن يهدأ من روعي : أعلم يا بني أن آليات ضخمة لا تستطيع قطع هذه الشجرة الكبيرة، أنا أمازحك فقط وفي شريعتنا ـ أنت تعلم ـ انه لا يجوز أن يحلف المرء إلا بالله.
ربما لم يكن الأستاذ ـ وهو يدافع عن قناعاته ـ  يدرك انه يطلب مني أن أقطع شجرة توت لا أعتبرها جزءا من حياتي بل اعتبر ذاتي جزء من قصصها الكثيرة، هذه الشجرة التي كان عدة أشخاص يمسكون بأيدهم ويلفونها حول جزعها الضخم لقياسه ولكنهم يفشلون، شجرةٌ لم يكن أكثر معمري القرية يتذكر تاريخ ميلادها ، والتي ما زالت صامدة رغم وقوعها حين أغفل الرعاة إطفاء  نار أوقدوها نهاية نهار شتائي بارد ، فأتى كل الليل ليحول معظم جزعها الطاعن في السن أصلا  إلى رماد  وهي وحتى لا تحدث أذى وفي جوف الليل تهبط  نحوا أرضها بكل هدوء ولكنها ورغم وقوعها لا زالت حية تقاوم جفاف البيئة وجشعنا نحن البشر وتقوم بدورها المنوط بها.
تحمل شجرة التوت هذه بين أغصانها ـ وعلى أحجار النبع التي تظلها ـ معظم قصص طفولتنا التي قضيناها ونحن نلف ونلعب حولها وفي ظلها، كنا صغارا نحمل بعض عناقيد العنب والتفاح والتين والخوخ والسفرجل ـ من البساتين التي ترويهاـ ونرميها لتطفو على سطحها وتتلاعب مشكلة  لوحة جميلة ـ كذلك كنا نفعل في موسم الجبس والبطيخ ـ نذهب بعدها  نلعب ونتسابق في الصعود إلى أغصانها الكبيرة وقليل منا كانت شجاعته تؤهله ليصل إلى أعلى قمة في أغصانها الصاعدة نحو السماء، في الوقت الذي تنهمك الفتيات في تعليق الحبال عليها وتتسابق في لعبة المراجيح ، وحين ينال منا التعب ونشعر بشيء من الجوع ، نعود إلى النبع لأخذ قسط من الراحة كل الأطفال يحاولون بأكفهم الصغيرة الحصول على نصيبهم من الفاكهة الباردة، نداعب السمك نحاول أن نرميها بلب المشمش ولكن هيهات أن ينالها أي من ضرباتنا  ترفع بجسمها  فوق الماء شيئا ما وكأنها تضحك من محاولاتنا الفاشلة في النيل منها، سمك النبع هذه لا تهابنا أبدا فهناك عقد أخلاقي مبرم بيننا لا يسمح بنوده لنا ـ نحن الصغار ـ بصيدها في العام إلا مرة واحدة ،وذلك حين يلف الربيع خيمته آخذا الإذن بالرحيل وينتهي موسم الفيضانات التي تحمل إلى النبع الكثير من التراب والطمي والحجر الصغير والأوساخ وباعتبار إن حاجة أهل القرية إلى ماء النبع تتضاعف في الصيف يكون قد آن أوان ذاك اليوم الذي ندعوه يوم (نظافة النبع)هذا اليوم الذي ننتظره نحن الصغار كل عام بفارغ الصبر حيث نجتهد وتحت إشراف عدة أشخاص من كبار السن لنظافة النبع وهو اليوم الوحيد الذي  يسمح لنا بصيد بعض من سمك النبع  كجزاء على عملنا ، وقليل منا يصيد منها القليل لأنها تكون قد استشعرت بحيلنا مسبقا وهربت باكرا ـ في ذلك اليوم ـ باتجاه ماء النهر.
إنها مجرد شجرة توت ما زال الناس وبخاصة المتقدمين في العمر من سكان منطقة آليان معتادين إن  حلفوا على شيء  قالوا: (بدارا علي بدرانى)… علي بدران …. هذا الاسم الذي أطلق على هذه القرية منذ أزمان غابرة وفاءا لأخوين أوقل أخ يدعى (علي) وأخت تدعى (بدرى) كانا عالمين جليلين ودعاة خير وصلاح يدعون الناس إلى حب الخير والتسامح والعيش بأمان وظلا مزارهما الطيبين القابعين في القرية مع شجرة التوت هذه يشكلون ـ ومنذ عقود خلت ـ  ثالوثا مقدسا لدى أهل علي بدران وعموم سكان منطقتنا وإلى هذا اليوم  وان كانت حملة التعريب العمياء أبت إلا أن تأتي على اثنين من ثالوثها المقدس دون أدنى اعتبار لمشاعر الناس و تجرد القرية من اسم هذين الفاضلين وتطلق عليها اسم (البدر).
 (علي بدران) بثالوثها المقدس هذا ولما تحمله من احترام لدى الناس كانت بمنأى عن السرقات حين كانت هذه ـ أي السرقةـ عرفا في زمان ما قد مضى وحول من تجرأ وحاول أن يسرق منها دابة أو بقرة أو ما شابه نسجت العديد من القصص والحكايات، طبول الأعراس ومزاميرها وفي حضرة المكان كانت تخرس بمجرد المرور بالقرب من علي بدران يسأل الناس الطربين من بيت (نادو وغيرهم) هؤلاء الذين امتهنوا إحياء أعراس وحفلات المنطقة منذ القدم لماذا تكفون عن الطبل والزمر حين الاقتراب من هذا المكان كان جوابهم أتريدون أن يحل غضب الله علينا. 
 في العيدين (الفطر والأضحى) يتحول المكان إلى كرنفال طبيعي فما أن ينتهي الناس من الصلاة وزيارة القبور وتبادل تهاني العيد حتى يتحول معظم الشباب والصبايا والأطفال وقسم من الكبار من القرية والقرى المجاورة إلى هذه الساحة الجميلة لإحياء الألعاب الفلكلورية والمسابقات والمراجيح وصعود الأشجار والحصول على أنواع الفواكه من البساتين المجاورة الكل في سعادة غامرة لا يشعرون الا وقد أرخى الليل سدوله وليس أمامهم سوى العودة من حيث أتوا في انتظار عيد قادم.
شجرة التوت (دارا علي بدرانى) ما زالت حاضرة تجدد فينا الأمل كل يوم يأتيها الكثير من الغرباء ـ أهلا وسهلاـ للتبرك والدعوى لشفاء مرضاهم المصابين بالقلق والاكتئاب والبعض يخفي أمنياته ضمن تمتمة دعواته ينهونها بقراءة الفاتحة كما بدؤوها، في الوقت الذي غادرها جل محبيها من أبناء شعب الله المهاجر.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس العبثُ فكرةً باردةً في كتاب فلسفي تنتظر قارئًا متخصصًا حتى يفككها، وليس مصطلحًا ثقيلًا يمكن اختزاله في القول إنَّ الإنسان يعيش في عالَم بلا معنى. العبثُ في جوهره تجربةٌ إنسانية قاسية، هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسانُ على نَفْسه، فينظر حَوله فلا يجد جوابًا يوازي حجمَ…

عامر عثمان ” إيفان “
في مَكَانٍ مَا
فيِ جِهَةٍ مَا
تَلْهَثُ الذِّئابُ وَ هيِ تَشْحَذُ عِوَاءَهَا
بِفَزَع الحَظَائِر
وَ النِّعَاجُ خَلفَ أَكوام القَشِّ تَرْتَعِدُ
وَ الكِلابُ السلُوقيَّةُ
تَتمرَّنُ عَلَى شَمِّ العَصَافِير
و تَلْهَثُ خَلْفَ الطرَائِدِ
وَ الطَّلَقَاتُ أَفْسَدَتْهَا الرّطُوبَةُ . . .

 

نصر محمد / ألمانيا – هيرنه

كنت ضيفاً للسنة الرابعة على التوالي على مهرجان كوباني السينمائي الدولي ، وما دفعني لكتابة هذه الشهادة هو الكم الكبير من المنشورات التي تهاجم المهرجان دون معرفة حقيقية بتاريخه وحجمه ورسالته .

ولتوضيح الصورة ، لا بد من الوقوف عند أربع حقائق أساسية :

أولاً : البداية كانت حلماً ذاتياً وليس مشروعاً…

صدر حديثاً عن منشورات رامينا، ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها الدار، كتاب «الفنّ النظريّ» للكاتب والناقد والفنان طلال معلّا، وهو عمل فكري وجمالي يتناول العلاقة المتشابكة بين الفن والفلسفة، وبين الصورة والفكر، وينفتح على جملة من الأسئلة المتصلة بالجمال والمعرفة والثقافة وتحوّلات الرؤية الفنية.

ينطلق الكتاب من النظر إلى تاريخ الفن باعتباره، في أحد وجوهه، تاريخاً…