إلى صديقي الأديب فرهاد دريعي

نجيب فتاحي*
 
ولدت في بلد لم تر عيناي داخله إلا يأسي 
لا أعرف لماذا ؟
لكن ربما لأن أبي عوض أن يسجل اسمي في دفاتر الحالة المدنية وضعني داخل دفاتر القتلى .
لست أراسلك الأن لتراني أبكي فأنت تعرف جيدا أني لا أحب ضراعة الضعفاء.
 لا تسخر من صديقك الذي يقول ما لم يفعل ؟
فهي ماكرة جدا هنا ..
 ترصد كلّ نجم ثاقب وعوض أن تدعه يصدح في زوايا الكون لينير ثنايا أزقتها المظلمة ويعرّي وجه الوحوش التي تريد ارتداء وجه هذه المرأة الجميلة داخلها ترميه بعيدا عنها ثم تقول : أنت لا تحتاج لهذا الفضاء ولا تحتاج لهذا الهواء سأسجنك في غياهبي المميتة .
أحيانا أقول ربما يداي قاسيتان مثلها وأغالط العالم مثلها بشكل وجهي الخارجي الجميل الذي يشبه وجه لوبيها السّاحلي الذي يمزّق بأظافره الطويلة بقايا الرجولة المتوجعة في ربوعنا .
سأغوص بك الأن عميقا في ربوعي العميقة. 
قفصة مسقط رأسي عبارة عن حجر قديم يتوجع .
 وهنا يا صديقي لا تنتظر مني أن أكون واقعيا عندما أتحدث عن الأساطير.
يقول المؤرخ “ريغاس” أن أصل مدينة فرنسا بل أوروبا في طور من أطوار “الباليوتية” وهو الطور “الأورنياكي” نشأ عن قدوم موجات من رجال المدينة القفصية وذلك لأن الآثار الموجودة بقفصة سبقت في التاريخ نفس تلك الآثار الموجودة بأوروبا .
هل تصدق إذن أن صورة أوروبا اليوم ماهي في الواقع إلا انعكاس خليلي لوجه (كابصا) القديم ؟
 يا صديقي أتساءل ؟!
 هل تناثر فعلا الجمال الڨفصي القديم للعذراوات القفصيات القدامي بشيء على غمازات الأوروبيات الجميلات اليوم ؟!.
فرهاد لا تسخر من نفسي لأنّي أعرف نفسي جيدا ونفسي بالأمس البعيد مازلت تعرف نفسها اليوم أيضا جيدا.
اخبرني بربك لماذا اختار الأمازيغ السكنى في قمم بعيدة
سأخبرك أنا لماذا:
 لأنهم كانوا آلهة في الأصل .
ولا تنس قول المؤرخ عنها :
تأسيس مدينة قفصة، قديم وغير معهود تنسبه الأسطورة التي اوردها اللاتيني «سالوست» إلى الإله «أليي».
ولهذا السبب نحن اليوم ٱلهة ملعونة.
 فبما تفسر حاضرنا هذا يا فرهاد ؟!
 لا تتعال علينا يا صاحبي فنحن من نحن (رغم اللعنة) 
يقول الأحرار أنّ القفصي الذي عاش بعد سنة 56 حكم عليه بالغياب منذ الساعة الصفر المشؤومة لموت ولادته المرتبطة بوطن لا يفكر بصحته .
هنا لا يرحبون بنا باسم الرب مثلما تفعل الكنائس بالتعميد ولا يكبرون في أذاننا يقرؤون علينا فقط الفاتحة.
✓من المسبية تونس إلى عزيزي الڨفصي أو عدوي العزيز 
  يقول الشاعر :
“قتلتك عن غير قصد .
وأعلم جيدا يا صديقي أنهم قالوا لكم هذا هناك :
“ليس الكردي إلا الريح”.
أبشّرك والريح في قفصة مسموم أيضا لأنّه لا ينبت لنا ريش كالعصافير هنا ولا نولد في القطن هنا تلك وصية الرياح القاتلة هنا.
خيطا خيطا بالكيمياوي المميت والفوشفوشيبس المسموم والبخارة الحارقة تنسلنا . 
لا تسألني فرهاد ماذا يوجع هؤلاء حتى يوجعوكم ويسمموكم هكذا 
إن علم السبب بطل العجب :
أجدادي الطيبون لم يكونوا طيبين مع فرنسا ولم يكونوا شاهدي زور على حفلة السلم تلك بين روما وقرطاج.. ؟ الأرض التي لا تبحث عن حريتي اه منها ومني .
يافرهاد 
حتى الثورة التي عجت دمائي بها وأعطيتها كلّ حنطتي وأشربتها كل خمري كنت مستعدا لأتنازل عن حصتي في الحياة من أجلها .
تلك التي بقيت ألاحقها لحاقا مرا وأجري وراءها وأركض أمامها في المظاهرات أنا وليلى .
انا وليلى يا فرهاد كنا بريئين نقفز من فوق الجسور وننتحر من الناطحات مغمضي العينين.
مازلت أتذكر كيف رميت الحقيبة بتهور في جامعة 9 أفريل .
أذكر إلى الأن كيف تصعّدت تلك الطاولة بصعوبة وقلت :
” لا الروح ترضى هذا ولا الشعب “.
  اتعلم أؤمن :
 أنّ من يقوم بنصف ثورة كمن يحفر قبره بيديه.
وقد حفر الإخوان قبر ثورتنا فعلا .
من أين جاؤو يا فرهاد دريعي ا؟!
✓قفصة في 10 ماي 2020
*روائي وشاعر تونسي

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بوكيه زمين

عن الكردية: جان دوست

على سطح منزلٍ من الطين،
وتحت سماء زرقاء،
كنتُ أعد النجوم،
ممعنة في البدر
وكنتَ معي،
كانتْ هدهداتٌ
تتناهى إلى سمعي،
كأغاني العشاق،
كانتِ الهدهداتُ تثير رائحةَ الرشاد، والسمسق،
رائحة من الطِّيب الذي نأيتَ عنه
وضعتْ في يدي اليسرى
نرجساً وأقحواناً
زينتْ جدائلي
بزهور الخجخجوك.
***
قوس قزح يواجهنا،
تتناثر آمالُنا منه،
فجأة احترقتْ نظرةٌ تحت أهدابكَ،
وسقطت من عيني دمعةٌ متاوهةٌ،
غبتَ عني،
غمر السيلُ
البستانَ الذي نما تحت نهدي الأيسر،
تركنا…

خوشناف سليمان

الدبكة عند الكرد ترفاً فنياً. ام فقرة ترفيهية تسبق الطعام أو تعقب الاحتفالات. ام هي واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية التصاقاً بالوجود الكردي نفسه. فمن النادر أن نجد شعباً حافظ على الرقص الجماعي بهذا العمق و بهذا الحضور المتواصل في مختلف مراحل الحياة كما فعل الكرد. و كأن الجسد الكردي تعلم منذ أزمنة بعيدة….

إبراهيم محمود

 

في التاريخ الذي لا يغفل عنا

التاريخ الذي يُكتَب، وإن كان ينتسب إلى ما قبله، ليُصبِح هو نفسه، من اللحظة التي تُسطّر كلمته، داخلاً في خانة الماضي، لا يعني ما كان، ولمن كان في الصميم في شيء ماضياً. لأن أيّاً من هؤلاء، وهو ميْت غير قادر على قراءته أو مناقشته، وإن كان عجينتَه وخميرته، كما…

صدر حديثاً عن دار TASQ للنشر كتاب “يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين” للكاتب إبراهيم اليوسف، في عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في كردستان سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية…