«التائهون»

هيفي الملا
كتب عن مواضيع شتى، عن الحب ووصف الأنثى بوصفها ملهمة العشق والجمال والسعادة، عن الأخلاق، عن الهويات وصراعها، الفلسفة والاقتصاد، اختلال العالم وفقدان الكثير من الدول الكبرى مصداقيتها، عن غرق حضارات ونشوء أخريات ، وعن قسوة الاغتراب وأزمة الانتماء، وفي كل مواضيعه الملحة المتجددة المستمدة من نبض الماضي و الممتدة لروح المستقبل أيضا، تبرز فكرته التي آمن بها ومازال وهي التطلع للمستقبل وعدم تمجيد الماضي على حساب الأتي، الذي يجب أن نكون متفاعلين وفاعلي الأثر فيه. احترم ثقافة شعبه الأصيلة، وانفتح كذلك على ثقافة الشعب المضيف، فلا غرابة أن ينال وساما يمثل «الروح المدنية للدولة الفرنسية» الكاتب والمفكر وفيلسوف الحضارة «أمين معلوف»
رجع بذاكرتي ومن خلال روايته «التائهون» إلى موضوع الاغتراب وأزمة الهوية والانتماء، وهو موضوع متجدد مادامت الحروب متجددة ورواسبها تفتك بالباقي منا، فلم يغب عن ذهني وأنا أقرأ الرواية، أن الحرب والمنازعات وخاصة الحروب الأهلية، تفتك ببنية البلد وتمزق النسيج الاجتماعي، فعندما يعلو صوت الحديد، ويزأر القوي بقوة السلاح، تحصل اصطفافات إرادية ولا إرادية في نظرة وأيديولوجيات الناس، ولنخص أكثر فئة الشباب التي تكون مشاعرهم متأهبة وقابلة للفوران، بل وحاسمة بين معتنقة أو رافضة، منهم من يمتلكه اليأس من الحرب، ويتذمر من سوء الكهرباء والماء، وعدم توفر أدنى مقومات المعيشة الإنسانية، ويخاف صدى الموت، فيجد في الاغتراب والهجرة، السلوك الأرجح والأمان، وينسج على نول الغربة حياة جديدة، ومنهم من يتمسك بالبلد مترنما بحب الوطن و التمسك بالأرض ممجدا نظرياته التي يحاول بثها لكل مغترب، ناعتا إياه بالضعف والجبن، ونموذج أخر يبقى ليناغم السلطة والفساد وتجارة الحرب المربحة، ليصبح  من أولئك الذين نستطيع نعتهم ب «مستفيدي الحروب»
 ومنهم من تتغير أفكاره ومبادئه وكأن ريح التغيير قد عصفت واقتلعت كما تشاء من أفكار. وقناعات لتستقر أخرى، فمن يعتمر قبعة غيفارا البارحة قد يعتمم اليوم عمامة التدين، ولاغرابة في الأمر فالحرب هي الزلزال المدمر الذي لاينال فقط البنية التحتية للبلد بل يطال الأفكار والثقافة والايدولوجيات، على هيئة أفكار ومشاعر متضاربة متماوجة، ومتلاعبة بروح شباب من كل المشارب والطوائف تفرقوا وتاهت دروبهم عن بعضهم البعض، في فرنسا وأمريكا والبرازيل، لأنهم حلموا بعالم أفضل وأصبح لكل واحد منهم أعماله ومهنته وارتباطاته، ومن بقي في البلد رسم لنفسه مسارا يتلاءم وقناعاته، مسايرا أزمة البلد فإما متمرغا بالفقر، أو عازفا نشازا على قيثارة السلطة الأمرة، التي تستخدم كل النظريات لتماهي نفوذها وبسط سيطرتها، أصدقاء جميلو الروح والمحيا ، لكل واحد منهم أحلام وقصة، وقاسمهم المشترك هذه الصداقة، التي جمعتهم، لتأتي الحرب الأهلية في لبنان وتنثرهم ، وتوزعهم كف الريح قسرا أو اختيارا . 
وعندما يموت صديقهم المشترك، الذي آثر البقاء في البلد، تكون وفاته الناقوس الذي أرجعهم لمسح الغبار عن ذكريات ربع قرن من الزمن، وهنا يلعب آدم دوره الرئيسي بلملمة الأصدقاء وجمع شتاتهم في ستة عشر يوما أتى بها إلى لبنان لوداع صديقه في رحيله الأخير عن العالم، بسرد انسيابي ولغة حوار سهلة عبر بها كل تائه، عن هويته وعن دوافعه للهجرة و العالم الجديد الذي شيده، فلم بمتلكنا الملل والحشو، بتلك الرسائل المتبادلة والحوارات بين الأصدقاء، الذين قرروا معاندة الزمن و الظروف، والالتقاء مجدداً ولم الشمل في لبنان وآدم كما أسلفت، هو من تولى مهمة المراسلة والتواصل للقاء بعد فرقة دامت ربع قرن.
لم انصدم بمفاجأة الخاتمة، لأنها لم تكن ميتافيزيقية ولاهوليودية بل كانت واقعية جدا، فحادث السيارة الذي أودى بحياة الصديق الراهب المعتكف الذي ذهب آدم لاصطحابه صبيحة يوم الشمل، لم يكن اعتباطيا، حيث رمز به الكاتب «أمين معلوف» إلى استحالة هذا اللقاء فربع قرن من الزمن كفيل بتغيير الناس وميولهم ورغباتهم وصورتهم عن البلد، وأن جمعتهم ساعات قليلة، ستفرقهم أمزجة جديدة دعكتها حياتهم التي مضوا بها تائهين، لتستقر سفن أفكارهم، هناك في المكان الذي اختاروه.
وربما كانت الخاتمة معلقة متأرجحة، عندما بقي آدم ناجيا من الحادث، ولكنه لاينتمي لا للحياة ولا للموت ،ولا  أحد يعرف متى يستيقظ أو متى يفارق الحياة. 
رواية – امين معلوف «التائهون» ليست زاخرة بذلك الكم الهائل من المعلومات التاريخية، ولا بمخزون ثقافي ومعرفي، ولكنها رواية مجتمعية، تلامس روح المجتمع والشباب، فعندما تندلع نيران الحرب، وتمتد ألسنتها الحارقة، تبرز جدليات جديدة، مثل التقدم والانهزام، الموقف من الثورة بين مدافع ومعارض، مفاهيم التحرر والتدين، الانتماء للشرق أو الغرب، الحداثة والأصالة، الاغتراب والبقاء، وكل ذلك بالطبع لايعني ترجمة قناعة معلوف بترك البلاد أو الانفتاح على الآخر  بتجاهل كل مايمت بصلة للداخل، بل التعبير بلغة روائية عالية عن الشتات في الخارج والضياع الأصعب في الداخل، وهنا استذكر قوله الجميل :
«أنا لم أرحل إلى أي مكان بل رحل البلد»

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مروة بريم

تسألني انتظارها بلطف، أختارُ مقعدًا في الصفوف الخلفية، وتختفي في إحدى أُبهاء الكنيسة لبعض الوقت، أراقب بصمت تفاصيل المكان، بعضهم مستغرقٌ في صلاته، وآخرون في حركة وقورة ومهيبة بين المقاعد، يبدو تمثال السيدة العذراء في صدر المعبد كغيمة تعلّقت بها العيون وهي تتأهّب لتنفيذ ميثاق الهطول بعد طول جفاف. يتدفق صوت الأرغن كماء عذب…

تنكزار ماريني

إنَّ رواية “مالينا” لإنغيبورغ باخمان ليست مجرد كتابٍ يُقرأ، بل هي مواجهةٌ مع نمطٍ مغايرٍ من التفكير والشعور؛ إنها قصة امرأةٍ تتداعى وتتحطم أمام عالمٍ لا يجد متسعاً لمشاعرها العميقة.

ما هي “الأنا”؟
البطلة كاتبةٌ تتسم بحساسية مفرطة، تنشد حباً مطلقاً. تعيش في شقةٍ مع رجلين، أو بالأحرى، مع وجهين لذاتها:

إيفان: حبها الكبير، لكنه يمثل عالماً…

اطلعنا على ما نشره الاستاذ محمد كلش حول مؤتمر فيدرالية اللغة الكردية، ومن منطلق الاحترام المتبادل، وحرصًا على توضيح الحقائق للرأي العام، نورد بيان الآتي:

أولًا، إن انسحاب الأستاذ من المؤتمر كان قرارًا شخصيًا اتخذه قبل انتهاء أعماله، ولذلك لم يشهد بنفسه جميع الجلسات والقرارات والنتائج النهائية، واعتمد في كثير من استنتاجاته على ما نُقل إليه…

نظّم مكتب منتدى الكلمة الحرة، بالتعاون مع منظمة أحلام صغيرة، دورة تدريبية بعنوان “فن الإتيكيت والبروتوكول الدبلوماسي”، وذلك في مقر المنتدى بمدينة قامشلو، بإشراف المدرب الدولي عبد الرحيم مقصود.
وشهدت الدورة مشاركة 30 ناشطة وناشطًا، حيث تناولت محاور متعددة تتعلق بقواعد الإتيكيت وفنون التعامل الرسمي، وأسس البروتوكول الدبلوماسي، وآداب التواصل، وآليات بناء العلاقات المهنية، بما يسهم…