العزلةُ المقدّسة

عبداللطيف الحسيني
ربما ماركيز وصفَ هذه العزلةَ بالمقدّسة ليقينه بأنّ المرءَ يعيشُ فيها ملءَ حياته بعيداً عن ضجيج الواقع وبما يقابلُه الأكثرُ ضجيجاً وسائلُ الاتصال الاجتماعيّ التي ينعدم فيها التواصلُ…. غيرَ أنّ الأنفسَ الكبيرة تحيّي بعضَها عن بُعد في فترات متباعدة ، فغربةُ المكان تستبدُّ بالمرء وتفضي به إلى غربة الزمان الغابر المعادي مستثنى منه سَمَر الأصدقاء والعمر الذي قفز من سنة إلى سنوات بلمح البصر والبصيرة الشائخة، مضافاً إلى هذه الغربة غربةَ اللغة.أستشهد دوماً بمعاصرنا المتنبيّ” غريب الوجه واليد واللسان.”
في مثل هذه الأيام كان مسرحُ فاوست موّاراً بالنشاط الاستعراضي من مسرح وإلقاء الخطب والأشعار والرقص وعرض اللوحات في الهواء الطلق، في اليوم الواحد كنتَ تشاهد معرضاً ومسرحاً ورقصاً وشعراً والكثير من البسمات حتّى تخال أنّ الألمان لا يضحكون، فقط يوزّعون البسمةَ على المجهولين من أمثالي …..والمعروفين. لكن الآن ..هنا المكانُ خالٍ إلا من شباب يتجرّعون البيرة المثلّجة ،شكوتُ هذا الطارىء الجديد لأخي عبدالرحمن الذي أفادني بأنّ المدير الإداري لفاوست قد توفّيَ، وهو الذي عرّفني عليه إيماءً أنّ هذا هو Hans-Michael Krüger مفردٌ بصيغة الجمع يصوّتُ صمتَ هانوفر و يوصل ليلَها بنهارها، الرجلُ مات وبقي فاوست ، كما مات غوته وبقي فاوست مع شياطينه تخاطب التائهين و شرّيبي الكأس..
الداخلُ إلى حارتي يظنُّ أن هانوفر كلها صحت للتوّ، والخارجُ منها يظنّها نائمةً بعدَ طول عمل مرهِق ، فالساعة تجاوزت الثالثة فجراً ….لا صوتَ في الغرفة إلا صوت لوحة المفاتيح ،أفكّر بالخروج …لكن إلى أين؟ فالمكان ليس مكاني ..ولا الزمان زماني … ولا الأصدقاءُ أصدقائي الحمقى….ولا اللغة لغتي التي تشبه الصمت حين أتكلّم بها….ياااا لهذا العمر الذي طال! يا إلهي…مَن رماني إلى هذه البلاد ، وكيف أتيتُها خالياً إلا من الوحدة والوحشة ؟، مَن يأتي لي بصديقي غسان جانكير إلى هذه الوحشة كي نتبادل الأدوارَ في الشتائم …متسامِرَين…مبتسمَين ..مختلفَين على الرغم من وحشة الطريق وقلّة الزاد ؟ في كلّ أرضٍ وطئتُها أبحتُ عن صديق أحمق، فالمرءُ على دين خليله، في المصحّ النفسي ناديتُ رجلاً أسميتُه غسان..وعندما لم يلتفت لندائي…..اقتربتُ منه فأدار وجهَه إليّ فإذا هو رجلٌ غريب ..لا أعرفُه ولا يعرفني ..أَخرجَ هاتفَه فأراني مدينةَ حمصَ مدمّرةً على ساكنيها…قائلاً:” أ أنت من هنا”؟ أجبتُه نعم ..وأدرتُ له ظهري حتى اختفى…واختفيتُ…
برلين.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شكري شيخ نبي ( ş.ş.n)

يا نديم الراح وصنو الرواح
دع شفاه الكؤوس ترتل اليبابا

دع الكؤوس تعتلي كالمآذن
تصدح كناقوس كنيس السيانا

لا بيت يليق بصاحب السماء
إلا كأس قلب يمخر لج الريانا

ودع اللوم فإن اللوم إغراء
ورب دواء بالداء كان بها كهانا

فالعلم يعرج في السماوات
والجهل يحاكي مشي الرزانا

من جهل الحب سماه هياما
ومن افترى عليه أسماه الغراما

ما كان الحب سوى العتاب
ونوح…

بمناسبة يوم اللغة الكردية يقيم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد ندوة مشتركة للكاتبين:

عدنان بشير الرسول: بعنوان مصاعب وتحديات اللغة الكردية
فتاح تمر: بعنوان وضع اللغة الكردية في كردستان الشمالية

يوم السبت 16.05.2026 الساعة الواحدة ظهراً، والعنوان بالملصق.
يسرنا حضوركم.

إبراهيم اليوسف

صدرت حديثاً، عن دار نوس هاوس في هولندا للنشر والترجمة، مجموعة قصصية لأربعة وعشرين كاتبا وكاتبة بغلاف أنيق تحمل لوحة فنية للفنانة التشكيلية روجين حاج حسين ترجمها الكاتب والناقد السوري صبري رسول من الكُردية إلى العربية بعنوان: مختارات من القصة الكردية القصيرة.
وتضم المجموعة ستا وعشرين قصة، تتناول الشؤون والهموم الفردية والشخصية والاجتماعية والإنسانية. يؤكّد…

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…