النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود
يُعدّ فواز حسين أحد أبرز الكتّاب الكرد في جيله. بامتداد عقود من السنين، أنجز رصيدًا أدبيًا ضخمًا باللغتين الكردية والفرنسية، لغتيه المفضّلتين، إلى جانب إتقانه التام للغتين العربية والسويدية.
” رواية فواز حسين: كردي في إيثاكا، 2023 في 252 ص. على الغلاف الخارجي، مكتوب بالفرنسية: فرهاد، كردي من حلبجة Halabja، بلدة صغيرة في كردستان العراق، يعيش في باريس. شغفه باليونان القديمة يدفعه للسفر إلى هذا البلد، مهد الديمقراطية. ينطلق في رحلته من أثينا إلى إيثاكا، مرورًا بسونيون، سلاميس، ميسينا، إبيداوروس، وباتراس. إذا كان الرحيل نوعًا من الموت، فإن هذه الرحلة على خطى أوديسيوس تبدو أشبه بالقيامة. بفضل النساء اليونانيات الساحرات كالحوريات والآسرات كالملهمات، يهرب الكردي من رتابة حياته اليومية دون أن ينسى مأساة مدينته. أينما حلّ، ومع كل خطوة يخطوها، يغرق في أفكار شيرين، حب حياته. باختياره مدينة حلبجة، المدينة الشهيدة النموذجية في كردستان، كبطلة لروايته، يروي فواز حسين مصير الأراضي الكردية المقسمة، التي تكافح لإيجاد مكانها بين الأمم ولتُدرج على خرائط العالم التي يرسمها أطفال المدارس. المترجم ”
يُشكّل هذا العمل، “كردي في إيثاكا Un Kurde à Ithaque “، جزءًا من سلسلة ثرية تُمكن وصفها بـ”اكتشافات” رحّالةٍ مُنعزل. في كلّ مرحلة من رحلاته الطويلة عبر أراضٍ أسطورية أو مُفعمة بالمشاعر، يقتبس من مُلهمةٍ سامية، مُلِمّةٍ بعادات وتقاليد وأساطير الثقافة المحلية، تُوجّه خطواته، وتقوده إلى دروبٍ مجهولةٍ وغامضة، وتفتح له آفاقًا للقاءاتٍ غير مألوفة، وتُلهمه وتُغذي سرده. هنا، توافق كاليوبي، إلهة الإلهام بامتياز، على إرشاد فرهاد، هذا الكردي الرحّال، الناجي من الهجوم الكيميائي ومحبّ الأساطير اليونانية القديمة، إلى موطن أوديسيوس، شريطة أن يتبع نصيحة الشاعر اليوناني العظيم كفافيس. وكما فعل أندريه جيد في قصيدته “ثمار الأرض des Nourritures terrestres” حين علّم ناثانيل متعة الانتظار، يحثّ كفافيس المسافر في طريقه إلى إيثاكا على عدم التسرّع، والتأنّي، والمثابرة، لأنّ جوهر متعة هذه الرحلة الأسطورية وعاطفتها يكمن في الاستعدادات لها ومصاعبها. في مقابل خدماته، تطلب كاليوبي من فرهاد أن يسجّل شهادته كناجٍ في صفحات دفتر الملاحظات الذي تُعطيه إياه. مساعدة في رحلة الحج إلى موطن أوديسيوس مقابل أوديسة ناجٍ من إبادة جماعية في العصر الحديث.
في العصر الملحمي لحرب طروادة، قاتل أبطالٌ مثل أياكس وأخيل وهيكتور على قدم المساواة؛ فكانت الشجاعة والمهارة، وأحيانًا الدهاء أو فضل إلهٍ معين، هي التي تحدد نتيجة المعارك. وكان الشعراء يُنشدون مآثرهم، ناقلين إياها إلى الأجيال القادمة. وفي كردستان أيضًا، قام دنغبيج، وهم نظراءٌ جديرون بالشعراء اليونانيين، بتأليف وغناء الملاحم لقرون، ولا يزالون يُنشدونها حتى اليوم، مثل ملحمة الأمير ذي الذراع الذهبية، عبد الخان، الذي دافع ببسالة عن قلعته ديمديم ضد جيوش الشاه الغازية في القرن السابع عشر. ويستمر هذا التقليد العريق حتى يومنا هذا.
لقد ولّى زمن القتال النزيه للأبطال. ففي ما يُسمى بالعصر الحديث، ارتكب العثمانيون مذبحةً راح ضحيتها أكثر من مليون مدني أرمني أعزل عام ١٩١٥ – نساءً وأطفالًا وكبارًا في السن. واستلهم هتلر من هذه السابقة التي لم يُعاقب عليها لارتكاب المحرقة وإبادة ستة ملايين يهودي بريء أعزل. وفي هيروشيما وناغازاكي، حلّت كارثة الموت الجماعي من السماء. لم يكن هناك سبيل للدفاع ضدّ ذلك الطفل الأمريكي الصغير الذي كان ينشر الموت بين السكان المدنيين، الذين جرفتهم النيران دون تمييز بين سنّ أو جنس أو مهنة، في حياتهم اليومية.
تُعدّ بلدة حلبجة الكردية الصغيرة، مسقط رأس بطل القصة، جزءًا من قائمة طويلة من مآسي القرن العشرين. ففي السادس عشر من آذار عام ١٩٨٨، ألقت طائرات عشرات القنابل الكيميائية، في وضح النهار، محملة بمزيج قاتل من الغازات السامة، على هذه البلدة التي يبلغ عدد سكانها حوالي ٨٠٠٠ نسمة. وفي غضون دقائق، لقي أكثر من ٥٠٠٠ مدني حتفهم على الفور أثناء ممارستهم لأنشطتهم اليومية، على عتبات منازلهم، وفي ساحاتهم، وفي الشوارع، أو في الحقول والبساتين المحيطة. وقد أتاح قرب الحدود الإيرانية، التي تبعد حوالي خمسة عشر كيلومترًا، وصول وسائل الإعلام، وانتشرت صور هذه الكارثة في جميع أنحاء العالم، مُصيبةً الرأي العام بالصدمة. وفي خضم الحرب الإيرانية العراقية، التي كانت قد حصدت بالفعل أكثر من مليون روح، أدانت الدول الغربية هذه الجريمة الجسيمة، التي تُعدّ انتهاكًا للقانون الدولي الذي يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية. مع ذلك، امتنعوا عن تسمية الجناة، وأرسلوا بعثة تحقيق دولية إلى الموقع “لكشف ملابسات هذه الجريمة”. في ذلك الوقت، كان العراق يحظى بدعم الدول الغربية، بما فيها فرنسا والكتلة الاشتراكية، وبالطبع الدول العربية التي امتنعت عن أي إدانة. ورغم شهادات الضحايا العديدة بشأن مسؤولية العراق، ظل تقرير البعثة غامضًا حرصًا على عدم تعريض حليفها العراقي للخطر، وتجنبًا لتزويد الدعاية الإيرانية بالذخيرة. ولم يُشر الدبلوماسيون الغربيون إلى حلبجة وغيرها من الجرائم التي ارتكبها الدكتاتور العراقي ضد الشعب الكردي إلا بعد الغزو العراقي للكويت في آب 1990، وذلك بهدف تهيئة الرأي العام لحرب مُخطط لها ضد صدام حسين. وهكذا، اتضح أن حلبجة لم تكن سوى تتويج لعملية واسعة النطاق للقضاء على الشعب الكردي العراقي، والتي أسفرت في الفترة 1987-1988 عن مقتل 182 ألف شخص. خلال هذه الحملة الإبادية، المعروفة باسم “الأنفال” (أي “الغنائم” نسبةً إلى آية في القرآن)، كان قتل “الخونة الكُرد traîtres kurdes”، وتدمير قراهم، ونهب ممتلكاتهم، أمراً قانونياً بل ومُشجعاً. دُمِّرت 4500 قرية من أصل 5000 قرية في كردستان، ونحو 20 مدينة، ومُحيت من الوجود؛ وأُحرقت النباتات، ورُدمت مصادر المياه بالخرسانة لجعل أي عودة للحياة مستحيلة في هذه الأراضي الخصبة في بلاد ما بين النهرين العليا، مهد البشرية. احتُجز أكثر من مليون ونصف المليون مدني كردي في معسكرات في انتظار إبادتهم التدريجية. واضطر مئات الآلاف إلى اللجوء إلى إيران وتركيا. ألحقت حرب الخليج في شباط 1991 هزيمة نكراء بالجيوش العراقية، التي مع ذلك هاجمت الأكراد والشيعة في الجنوب مرة أخرى في نيسان/ أيار. أثار نزوح ما يقرب من مليوني كردي نحو حدود إيران وتركيا، والذي حظي بتغطية إعلامية واسعة من قبل وسائل الإعلام الغربية التي كانت حاضرة لتغطية الحرب، غضباً عارماً في الغرب، ما دفع مجلس الأمن الدولي، بناءً على اقتراح من فرنسا، إلى تبني القرار 688 الذي أنشأ منطقة “الملاذ الآمن Safe Haven “، وهي منطقة حماية دولية، خارج سيطرة نظام بغداد، شمال خط العرض 36، للسماح بعودة الأكراد النازحين واللاجئين إلى ديارهم. وتطورت هذه المنطقة تدريجياً لتصبح كردستان تتمتع بالحكم الذاتي، ولها برلمانها وحكومتها ومؤسساتها الخاصة. وقد تم الاعتراف بهذا الوضع الحكمي بحكم الأمر الواقع وتكريسه في الدستور العراقي لعام 2005، الذي تم اعتماده في استفتاء شعبي بعد سقوط صدام حسين في نيسان 2003 عقب تدخل عسكري جديد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها.
قدمت وثائق، من ضمنها مقاطع فيديو، من أرشيف النظام المنهار أدلة وافرة على هذه الجرائم المرتكبة ضد الشعب الكردي، والشيعة، والمعارضين السياسيين، وحددت هوية من أصدروا الأوامر ونفذوها. وقد حُكم على صدام حسين، وابن عمه علي الملقب بالسلاح الكيميائي، العقل المدبر لحملة الأنفال، وبعض شركائه، بالإعدام ونُفذ فيهم الحكم. أقر القضاء العراقي بالإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق الشعب الكردي دون وضع أي آليات لتعويض أسر الضحايا.
كيف يُمكن، في الواقع، تعويض هذه الجرائم التي لا تُمحى، والمحفورة عميقًا في الذاكرة الجماعية؟ إنها جراح غائرة في الوجدان الكردي، يستحضرها الشعراء ومغنو Dengbej (المغنون الكرديون التقليديون) وتُخلَّد ذكراها في جميع أنحاء كردستان، وليس فقط في حلبجة. وقد أضفت المرثية التي ألفها أشهر مغني الكرد المعاصرين، شفان بَرور ، والتي أداها مباشرةً على عدة قنوات تلفزيونية خلال حفل الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية على درجات قوس الأخوة، بُعدًا دوليًا للمدينة. كانت حلبجة، التي اشتهرت في كردستان برمانها الشهي وبهالة ملكتها الأخيرة، عادلة خان جاف، المعروفة باسم خان بهادور، “أميرة الشجعان princesse des braves”، والتي أبهرت الزوار البريطانيين في مطلع القرن العشرين، قد حظيت اليوم بشهرة عالمية. وهي مدرجة إلى جانب هيروشيما وناغازاكي وأورادور كإحدى مدن الشهداء في تاريخ البشرية.
بعد أن كانت حلبجة موضوعًا للعديد من الدراسات والكتب باللغتين الإنجليزية والفرنسية، فضلًا عن القصائد والأغاني والروايات والأفلام الوثائقية باللغة الكردية في السنوات الأخيرة، يجد فواز حسين في حلبجة تصويرًا روائيًا موثقًا جيدًا، وهو مفيد بشكل خاص للقراء الناطقين بالفرنسية. إن استحضار هذه الصدمة الهائلة في الذاكرة الكردية خلال رحلة تعريفية إلى اليونان، البلد الذي عرف كيف يعبّر عن المأساة ويحوّلها إلى فن، ليس من قبيل المصادفة. فالعلاقات الكردية اليونانية، كما لا يعلم الكثيرون، تعود إلى العصور القديمة، إلى ما يُعرف بالحروب الفارسية، حيث يُعتبر الميديون أسلاف الكرد. في سهل أربيل، أربيلا التي ذكرها هيرودوت، عاصمة كردستان العراق، هزم الإسكندر الأكبر الإمبراطور الفارسي داريوس عام 330 ميلادي. وخلال انسحاب العشرة آلاف، أشاد القائد اليوناني زينوفون بشجاعة الكاردوخيين، أو الكاردوخوي باليونانية، وهو الاسم الذي عُرف به الأكراد لدى اليونانيين حتى وقت قريب. وفي جزيرة كريت، عاش آخر أمراء إمارة بوهتان الكردية، بدير خان بك، في منفاه في القلعة البندقية، حيث وفّر الحماية للوطنيين اليونانيين الذين اضطهدهم العثمانيون. كان على أبنائه وأحفاده، الذين نشأوا في القسطنطينية، تعلم اللغة اليونانية، التي تُعدّ بلا شك أجمل وأغنى لغة عرفها الإنسان. وقد أكد بعض المؤرخين الغربيين مؤخرًا، بمن فيهم الفرنسي هوبير لامارل، أن جزيرة كريت، قبل تأثرها بالثقافة اليونانية، كانت مأهولة بالميسينيين، الذين يُعتقد أن أصولهم تعود إلى غرب إيران، أي كردستان الحالية. كما يدعم هذا التشابه بين التهويدات الكردية والكريتية، وبعض أسماء الأماكن. وهذا يدل على أن اليونانيين والكرد، إلى جانب كراهيتهم المشتركة للغزاة والمحتلين الأتراك، تربطهم روابط تاريخية وعلاقات وتعاطف متبادل. ومن هنا جاء اهتمامه بملهمته كاليوبي، وحبه لليونان وأساطيرها، على الرغم من الهزيمة التي مُني بها أسلافه الميديون في معركة سلاميس.
هذا الكتاب، الذي يُعد مرثية لمدينة حلبجة، هو أيضاً قصيدة لليونان الخالدة، التي تمكنت أساطيرها وفنونها وأفكارها من النجاة من تقلبات وأهواء كرونوس والعديد من الغزوات البربرية.
Préface de Kendal Nezan, président de l’Institut kurde de Paris