المؤسسات الثقافية الكردية ودورها في الحراك الثقافي

  عمر كوجري

   على مدى أعوام طويلة – في الساحة الكردية السورية –  غابت أو غُيبت الثقافة الكردية قسراً بفعل عوامل عديدة لعل أهمها التضييق الذي مارسه النظام السياسي الحاكم منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي وإلى الآن، وقد كانت الحجج دائماً واهية. فقد نعت الكرد دوماً بالانفصاليين والمشاكسين، ورسمت حولهم هالة من الريبة بوطنيتهم والتشكيك بانتمائهم الوطني، وقد نجح النظام في كل وقت في إقناع الرأي العام «العربي» بـ  لا شرعية المطلب الكردي، وتأليب الشارع عليه.
المؤسسة السياسية الكردية:
     و رغم أن بعض الفترات شهدت عملية غض النظر عن نشر الثقافة الكردية، لكن دون إعطاء الحرية الكاملة، والتراخيص اللازمة، ليتحرك المثقفون والمهتمون بالشأن الأدبي لرسم معالم الثقافة الكردية التي حوصرت من كل الجهات، إلا أن الأمور بقيت على حالها، والنقطة الثانية هي افتقار الكرد لمؤسسات ثقافية مستقلة .
    وكان المهتمون بالشأن الثقافي الكردي يتطلعون إلى فضاء يحقق لهم نوعاً من الحرية لبسط إمكاناتهم ، هذا الفضاء لم تنجزه التنظيمات السياسية الكردية على ساحة سوريا، وللحقيقة لم تقدم هذه المؤسسات ما يطلب منها، ولم تقرأ المرحلة جيداً لضعف الإمكانات من جهة، ولعدم إيلاء الثقافة الاهتمام المطلوب، وكأن الأمر ترف لا طائل منه، وللأسف غرقت تلك التنظيمات في الشؤون التنظيمية والانشقاقات، والخلافات على المناصب، وغيرها من الأمور التي أبقت الحركة إلى الآن في زاوية ضيقة، ولم تستطع الخروج منه.
المؤسسة الثقافية الكردية:
     للمؤسسة الثقافية دور حيوي في حياة الإبداع الكردي، وفي هذه المرحلة بالتحديد لأن على المثقف الكردي أن يكون في معركة إثبات الذات والهوية الكردية متماسكاً .. قوياً. فالريح عاتية وشرسة، ولا حياة للضعفاء في هذا العالم. وعلى هذا الأساس  من حق المثقف الكردي أن يبتهج لنشوء وتأسيس مؤسسات تخدم الثقافة الكردية دون أن تفكر بمرابح مادية ولا إلى وجاهات وكرامات ومقامات.
    المثقف الكردي يرحب بمؤسسة ثقافية وضعت نصب عينها نشر إبداع الكرد، وخاصة المبدعين الذين أحسوا بقنوط وسأم من ظروفهم التي لا تواتي لينشروا كتبهم على حسابهم الشخصي، في ظل أزمات مادية خانقة تعصف بشرائح كثيرة لا تجد رغيف يومها، ومن هذه المؤسسات المستقلة التي آلت على نفسها خدمة الثقافة الكردية لا بد من ذكر « مؤسسة سما كرد للثقافة والفن» التي تتخذ من دولة الإمارات العربية المتحدة مقراً لها، ويديرها باقتدار الأستاذ الحاج عارف رمضان.
  فمنذ زمن طويل ونحن نتمنى أن يولي الميسورون من الكرد الجانب الثقافي أهميته، وهذا ما حصل حقيقة مع هذه المؤسسة التي وضعت نصب عينها الأخذ بأيدي الكتاب الكرد الذين رأوا فرصتهم في نشر كتبهم بمساعدة سما كرد التي قدمت العون المادي بالتعاون مع دار هيرو  في بيروت التي يشرف عليها الشاعر والصحفي الكردي طه خليل، حيث تجشم عناء فرز، وقراءة كتب كثيرة بتشكيل لجان قراءة من الأدباء لإقرار الكتب المرشحة للطباعة. وكذلك عناء السفر من القامشلي إلى دمشق وبيروت، والبقاء فيهما لأيام وأسابيع  لمتابعة وطباعة الكتب، وتنسيقها، والإشراف عليها منذ اللحظة الأولى، وحتى إصدارها بذلك الشكل الأنيق والجميل.
    وهو في الآن ذاته مدير الطباعة والنشر في مؤسسة سما، حيث نشرت سما ودار هيرو سنة 2007 أربعة عشر كتاباً  باللغة العربية والكردية في مختلف ضروب الإبداع من شعر وقصة ومسرح وتاريخ ورواية، والكثير من هؤلاء – وكاتب هذه السطور منهم – كان سيجد صعوبة بالغة لو ترك الأمر له، فإمكانات الكتاب محدودة بل معدومة في أحايين كثيرة.
لقد اطلعت على معظم تلك الكتب المنشورة عن دار هيرو، ومؤسسة سما كرد، فإضافة إلى أنها قدمت للضوء أسماء كانت شبه غائبة في  الوسط الثقافي الكردي بسبب ظروفها، فإن المؤسسة أيضاً اهتمت ولأول مرة بالأناقة والفخامة في إصداراتها التي وزعت في كردستان العراق ودبي وسوريا ولبنان، في وقت يحتار المبدع الكردي في كيفية توزيع كتبه إلى أبعد من قريته وحارته.
 وفي هذا المقام واصل موقع سما كرد مشكوراً  والذي يشرف عليه الأستاذ هوزان أمين بنشر نشاطات المؤسسة وتسليط الأضواء على الكتب الصادرة، وتزويد المواقع الكردية المهتمة بأخبار الكتاب وكتبهم، ونشر مقالاتهم ومساهماتهم.
   أتمنى أن تزداد رقعة المؤسسات الثقافية الكردية المستقلة لتلعب دورها الكامل في تنشيط الحراك الثقافي لتساعد المبدعين من أبناء شعبنا، وتأخذ بيدهم ليكون نشر كتبهم مقدمة لتشجيعهم في مجال الكتابة، والتواصل مع الألق والإبداع الحقيقي. 
 
emerkojari@hotmail.com  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي…

عبد الستار نورعلي

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

 

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

 

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

* *

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

 

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في…

ماهين شيخاني

 

استيقظتُ متأخراً على غير عادتي، حلقي جاف كأنه ابتلع حفنة من التراب، وشيءٌ ما يشبه الطعم الحديدي يتخمر في فمي. على الطاولة، بيضة مسلوقة وخبز يابس وكوب شاي بارد. عضضتُ الخبز، فتحوّل بين أسناني إلى رماد، كأن أحدهم عبأً جوفي برماد موتى محترقين.

ظللت ألوك الرماد بصمت. لا طيور في الخارج، لا صوت…

عِصْمَتْ شَاهِينِ الدُّوسْكِي

 

كَفَى كُفْرًا

شَرِبْتُمْ مَاءَ الْمِسْاكِينِ

وَأَكَلْتُمْ حَقَّ الْيَتَامَى

كَفَى كُفْرًا

اسْتَبَحْتُمْ أَعْرَاضَ النَّاسِ

فِي ظُلْمِكُمْ سُكَارَى

لَا أَرْمَلَةٌ بَرِئَتْ

وَلَا صَبِيَّةٌ لَاذَتْ

لَمْ تَسْمَعُوا صَرْخَةَ الثَّكْلَى

تَوَضَّأْتُمْ بِدِمَاءِ الْفُقَرَاءِ

قَتَلْتُمْ عَلَى الْهُوِيَّةِ

مَنْ كَانُوا حَيَارَى

ثُمَّ سَافَرْتُمْ لِلْكَعْبَةِ

كَأَنَّكُمْ مَلَائِكَةٌ

تَرْجُمُونَ شَيْطَانًا

تَبَرَّأَ مِنْكُمْ مِرَارًا

……….

كَفَى كُفْرًا

تَمْسَحُونَ أَحْذِيَةَ الطُّغَاةِ

تَأْكُلُونَ فُتَاتَ الْمُعَانَاةِ

تَخْسَرُونَ كُلَّ شَيْءٍ

حَتَّى الشَّرَفَ تَحْتَ النِّعَالِ كَالسُّبَاتِ

كَفَى كُفْرًا

احْتَرَقَتْ أمَاكِن عَلَى رُؤوسِ المُنَاجَاة

دُمٍرَتْ بِلادٌ فَوَقَ بِلادِ اللا مُبَالَاة

اسْتَسْلَمَتْ…