نصر محمد / ألمانيا
في أجواء مفعمة بالمحبة ودفء الكلمة، شهدت مدينة إيسن الألمانية مهرجانا للشعر الكردي، تحول إلى عرسٍ ثقافي احتفى بالكلمة والإبداع والإرث الأدبي الكردي، وجمع تحت سقفه أصواتا شعرية قدمت من مختلف المدن الأوروبية، لتؤكد أن الشعر لا يزال جسرا يصل الكرد بذاكرتهم الثقافية، ويمنح المنفى فضاءً رحباً للتعبير عن الهوية والانتماء.
وجاء المهرجان، الذي أقيم يوم الأحد 25 تشرين الأول 2026، برعاية الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد – سوريا، وبالتعاون مع منظمة HRRK، بمشاركة سبع وثلاثين شاعرة وشاعرا، في تظاهرة أدبية سعت إلى الاحتفاء بالشعر الكردي ورواده، وتعزيز التواصل الثقافي بين المبدعين الكرد في المهجر.
ولم تقتصر أهمية هذا اللقاء الأدبي على ما شهدته منصته من حضور شعري وثقافي، بل امتدت إلى ما أتاحه من فرصة للتأمل في تجربة تنظيم المهرجانات الأدبية الكردية في المهجر، وما تحمله من إنجازات تستحق الإشادة، إلى جانب جوانب أخرى تستدعي المراجعة والتطوير.
استهلت فعاليات المهرجان بكلمة ألقاها الشاعر حفيظ عبد الرحمن باسم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد – سوريا، رحب فيها بالضيوف والشعراء المشاركين، واستحضر بإجلال سيرة الشاعر الكردي الكبير الراحل جكرخوين، ومكانته البارزة في مسيرة الشعر الكردي، كما استذكر عددا من أعلام الأدب الكردي، وفي مقدمتهم أحمدي خاني والملا أحمد الجزيري، وغيرهما ممن تركوا بصمات خالدة في الذاكرة الأدبية والثقافية الكردية.
وتلاه الشاعر محمود برازي، الذي ألقى كلمة باسم منظمة HRRK، رحب فيها بالحضور، وأشاد بدور الشعر في صون الهوية الثقافية الكردية والحفاظ على ملامحها الأصيلة، متوقفا بإجلال عند مناقب الشاعر الكردي الكبير الراحل جكرخوين، ومستحضراً كذلك سيرة الشاعر الراحل أحمد الحسيني، شيخ شعراء الكرد، ودوره الريادي في الحفاظ على الهوية الثقافية الكردية في أحلك الظروف وأشدها قسوة.
وتولى إدارة فقرات المهرجان الأستاذ مروان مصطفى (بافي زوزاني) والفنانة المتألقة روجين كدو، بكثيرٍ من الاقتدار واللباقة وحسن التقديم، فأضفيا على أجواء المهرجان روحاً من الألفة والانسجام، وأسهما في إضفاء طابع من الحيوية والتفاعل على مجريات الفعاليات.
ومع انطلاق القراءات الشعرية، توالت مشاركات الشعراء والشاعرات، قصيدة إثر قصيدة، وبوحا إثر بوح، حيث قدم كل مشارك قصيدتين بلغته الكردية الأم. وكانت البداية مع الشاعر باران حسو، الذي افتتح القراءات بعذوبة كلماته وجمال صوره الشعرية، فيما كان الختام مع الشاعر لالش ميرزا، الذي أضفى بجزالة حرفه وعمق تعبيره مسك الختام على هذا العرس الأدبي.
وبين الافتتاح والختام، تعاقبت على المنصة أصوات شعرية متنوعة، نسجت بأحاسيسها وتجاربها باقة من القصائد الوطنية والغزلية والوجدانية، تنقلت بين الحنين إلى الوطن، والاعتزاز بالهوية، ومشاعر الحب والشوق والانتماء، فلامست شغاف القلوب، وأعادت للكلمة وهجها، وللمنفى شيئاً من دفء الوطن.
أما الحضور، فقد واكب القراءات بإنصات وتفاعل لافتين، وتجاوب مع الصور الشعرية والإيقاعات الوجدانية بالتصفيق والتقدير، في مشهد جسد عمق الصلة بين الشاعر والمتلقي، وكأن الكلمات القادمة من ذاكرة كردستان وجبالها وجدت في قلب أوروبا صداها الذي لا يخبو، مؤكدة أن المسافات، مهما اتسعت، لا تستطيع أن تفصل الإنسان عن لغته ووجدانه وجذوره.
ومن موقعي متابعا لفعاليات المهرجان منذ انطلاقته وحتى اختتامه، أتناول في هذا التقرير أبرز المشاهدات والانطباعات التي خرجت بها، مسلطا الضوء على الجهود الصادقة التي أسهمت في إنجاح هذا الحدث الثقافي، ومتوقفا عند بعض الملاحظات التنظيمية والفنية التي أرى أهمية التطرق إليها، إيمانا بأن النقد البناء هو جناح التطور ومرآة المحبة، وحرصا على أن يظهر مهرجاننا في أبهى حلة تليق بتاريخنا وإرثنا الثقافي العريق. وهي ملاحظات أضعها بروح من المحبة والمسؤولية، آملا أن تؤخذ بعين الاعتبار في إطار المسؤولية المشتركة، بعيدا عن الانتقاص من قيمة الجهود المبذولة، وتطلعا إلى مهرجانات قادمة أكثر إشراقا وتنظيما واكتمالا:
أولاً – براعمُ الشعر : شاركَ الطفلُ الموهوب يوسف علوان ، نجلُ الشاعرِ علوان شفان ، ابنُ الأحدَ عشرَ ربيعاً ، في المهرجان . وإننا إذ نُثمّنُ عالياً هذه الموهبةَ الواعدةَ ونشجعُ الجيلَ الصاعدَ بكلِ حب ، إلا أنه كان من الأجدرِ باللجنةِ المنظمةِ عدمُ إدراجِ مشاركتهِ ضمنَ كوكبةِ الشعراءِ والشاعراتِ المخضرمين ، وعدمُ زجِ اسمهِ وصورتهِ بينهم ، حفاظاً على خصوصيةِ عمرهِ وتجربتهِ الشعريةِ الناشئة . والأجملُ مستقبلاً تخصيصُ فقرةٍ مستقلةٍ بعنوان “براعمُ كردستان” للمواهبِ الشابة ، لتكونَ لها منصتُها الخاصةُ وتشجيعُها المستحق .
ثانياً – صوتُ الجمهور : بعدَ انتهاءِ فقراتِ المهرجان ، لم يُفسحِ المجالُ أمامَ الجمهورِ لإبداءِ الرأي والمناقشة . وكان من الأجدى تخصيصُ نصفِ ساعةٍ على الأقلِ للحوارِ المفتوحِ بين الشاعرِ والمتلقي ، فالمهرجانُ ليس منبراً للإلقاءِ فقط ، بل هو جسرٌ للتلاقي ، والحوارُ يثري التجربةَ ويعمّقُ العلاقةَ بين النصِ وصاحبهِ وجمهوره .
ثالثاً – ضيقُ الوقتِ وغزارةُ الأسماء : كان عددُ الشعراءِ المشاركين كبيراً جداً – 37 شاعرةً وشاعراً في مهرجانِ يومٍ واحد ، وخُصصَ لكلِ شاعرٍ خمسُ دقائقَ فقط . وهي مدةٌ قصيرةٌ جداً لا تكفي الشاعرَ لإيصالِ قصيدتهِ وإحساسهِ كما يجب ، ولا تتيحُ للجمهورِ التقاطَ أنفاسِ القصيدة . ونقترحُ مستقبلاً إما تقسيمُ المهرجانِ على يومين ، أو تحديدُ عددِ المشاركين ، لإعطاءِ كلِ صوتٍ حقهِ من الزمنِ والإنصات .
في الختام ، لا يسعني إلا أن أتقدمَ بخالصِ الشكرِ وعظيمِ الامتنانِ للقائمين والمنظمين والمتطوعين ، جنودِ الخفاءِ الذين بذلوا جهداً استثنائياً ، وسهروا ليالٍ لإنجاحِ هذا العرسِ الثقافي .
لقد كان مهرجاناً ناجحاً بكلِ المقاييس ، جمعَ الكلمةَ الصادقةَ والمحبةَ الخالصة ، وأكدَ أن الشعرَ الكردي لا يزالُ حياً نابضاً ، متجذراً في قلوبِ أبنائهِ في الوطنِ والمهجر ، وأن الكلمةَ الكرديةَ قادرةٌ على أن تعبرَ الحدودَ وتوحّدَ القلوب .
نأملُ أن تؤخذَ هذه الملاحظاتُ بروحِ المحبةِ والغيرةِ الصادقة ، فالمهرجانُ مهرجانُ الجميع ، ونجاحُهُ مسؤوليتُنا جميعاً ، وصولاً إلى مهرجاناتٍ قادمةٍ أكثرَ إشراقاً وتنظيماً ، تليقُ بتاريخِنا وأدبِنا العريق .


التعليقات (0)